الأحد 01 آب , 2021 12:30

الانسحاب الأميركي من العراق خدعة جديدة!

يشكل العراق نقطة اهتمام المراقبين نظرا لكثرة الاستحقاق التي تشهدها هذه الساحة أولها الانسحاب الأميركي من البلاد، والانتخابات النيابية التي باتت تلقي بظلالها على مجريات الأحداث السياسية والأمنية.

يكتنف الوجود العسكري الأمريكي في العراق الكثير من التناقضات ويحول السؤال بشأن انسحاب القوات الأمريكية من العراق إلى ما يشبه اللغز حيث أن الغموض المحيط بتلك النقطة ازداد كثافةً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في ظل تصريح جو بايدن بـ"إنهاء المهمة القتالية" بحلول نهاية عام 2021 ونفي قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كينيث ماكنزي في 30 نيسان 2021 خروج القوات الأمريكية من العراق وتوقف العمليات القتالية فيه. وهذه ليست أول مرّة تتضارب وتتناقض التصريحات الأمريكية بخصوص انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ففي نيسان 2021 صدر بيان مشترك عن وزيرَيْ خارجية البلدين، يفيد باستمرار عملية سحب واشنطن جنودها المقاتلين من بغداد، و في الوقت نفسه نفى المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية وجود "أي تفاهم" في هذا الشأن.

فماذا وراء التضارب في تصريحات سحب القوات الأميركية من العراق؟

كانت قضية القوات الأمريكية في العراق قد أصبحت على صفيح ساخن منذ مطلع العام الماضي، بعد أن اتخذ البرلمان العراقي قراراً يوم 5 كانون الثاني 2020، بخروج جميع القوات الأجنبية -بما فيها الأمريكية- من البلاد، كردّ فعل على اغتيال واشنطن للشهيد الجنرال قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في حرس الثورة الإيرانية، ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي مهدي المهندس، في ضربة صاروخية استهدفتهم لدى خروج موكبهم من مطار بغداد الدولي، فجر الثالث من كانون الثاني 2020.

ومنذ ذلك الوقت، تناقضت التصريحات بين التأكيد على الانسحاب ونفي الانسحاب وأبرز تلك التصريحات جاءت كالتالي:

 تصريح المتحدثة باسم الخارجية الأميركية مورغان أورتيغوس

 10 كانون الثاني 2019

  • الولايات المتحدة لا تنوي مناقشة "انسحاب" قواتها  مع السلطات العراقية.
  • في هذه المرحلة، أي وفد يتوجّه إلى العراق سيكون مكلّفاً بمناقشة أفضل وسيلة لإعادة تأكيد شراكتنا الاستراتيجية، وليس مناقشة انسحاب القوات.

 رسالة من العميد وليام سيلي إلى قيادة العمليات المشتركة

 كانون الثاني 2020

-       قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ستقوم بإعادة تمركز خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

 تصريح رئيس الأركان الأمريكي الجنرال مارك ميلي

 كانون الثاني 2020

  • الرسالة التي تم تداولها بشأن انسحاب القوات الامريكية من العراق هي مسودة غير موقع عليها، وما كان ينبغي نشرها.

 تصريح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر

 كانون الثاني 2020

  • لا صحة لوجود رسالة أصلا تتحدث عن انسحاب القوات الامريكية من العراق.

 تصريح وزير الدفاع مارك اسبر

  7 كانون الثاني 2020

  • لم أتلق أي اتصال من رئيس وزراء العراق أو من الحكومة العراقية بشأن التشريع، أو ‏بخصوص أمر أو طلب لسحب القوات الأمريكية، التي يبلغ عديدها حوالي خمسة آلاف ‏عسكري، يتولون تدريب القوات العراقية ويقودون تحالفاً لقتال فلول تنظيم داعش.

 تصريح دونالد ترامب

  11 كانون الثاني 2020

  • لا مشكلة في الانسحاب من العراق ولكن على العراقيين أن يدفعوا مقابل الانسحاب، فهناك دولا تدفع ملايين الدولارات مقابل نشر المزيد من القوات الأمريكية على أراضيها.
  • لقادة العراقيين يطالبون بانسحاب القوت الأمريكية من أراضيهم ولكنهم لا يقولون ذلك في المحادثات الخاصة التي نجريها معهم.

 

 تصريح دونالد ترامب

  20 آب 2020

  • انسحبنا بشكل كبير من العراق وبقي عدد قليل جداً من الجنود، ونحن ملتزمون بخروج سريع لقوات التحالف الدولي على مدى ثلاث سنوات.

 تصريح قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كينيث ماكنزي

  10 أيلول 2020

  • سيكون هذا أكبر خفض للقوات الأميركية في العراق منذ عام 2016، وسيتم تنفيذه في إطار زمني أسرع بكثير مما تم الإبلاغ عنه قبل أسابيع فقط.

 تصريح وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة "كريس ميلر"

  17 تشرين الثاني 2020

  • البدء بسحب جزء من القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان خلال الساعات المقبلة، وسنخفض القوات الأمريكية في العراق من 3200 إلى 2500 مقاتل.
  • سننفذ أوامر الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من العراق وأفغانستان.

 بيان مشترك عن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ونظيره العراقي فؤاد حسين

  7 نيسان 2021

  • استمرار عملية انسحاب القوات الأمريكية من العراق.
  • هناك تنفيذ لقرار البرلمان العراقي المتخذ في العام الماضي، بشأن خروج القوات الأجنبية، التي تقدر أعدادها حالياً بنحو 3000 جندي يشكلون ما تبقى من قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية داعش، بينهم 2500 أمريكي.

 

 تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جون كيربي

 8 نيسان 2021

  • لا يوجد أي تفاهم مع بغداد حول الجدول الزمني المتعلق بعملية سحب القوات القتالية من العراق.
  • عبارة التوصل لتوافق بخصوص استمرار عملية سحب القوات القتالية الأمريكية بالعراق الموجودة بالبيان المشترك، لا تعني في الواقع أن الانسحاب سيبدأ، فالبيان ينص على أنه تقرر إجراء مباحثات فنية إضافية من قبل الطرفين بخصوص الانسحاب النهائي.
  • وجود الولايات المتحدة بالعراق يأتي بناء على موافقة ودعوة بغداد، والمهمة التي تم إطلاقها ضد تنظيم داعش الإرهابي لم تكن قائمة على وجود عسكري أمريكي دائم هناك، والإدارة (الأمريكية) ذكرت منذ فترة طويلة أنها يوماً ما ستسحب جنودها.
  • نية الولايات المتحدة في الانسحاب ليست جديدة، لكن النقطة الجديدة في البيان هي: إجراء

 محادثات فنية بشأن الانسحاب، ولا يوجد تفاهم حالياً على موعد انسحاب بعض الجنود.

 تصريح مساعد وزير الخارجية الاميركية السابق دايفيد شنكر

  12 نيسان 2021

  • الانسحاب الأمريكي من العراق يسلّم البلاد كلياً لطهران.

 تصريح قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كينيث ماكنزي

  30 نيسان 2021

  • القوات الأمريكية، موجودة في العراق بناء على طلب الحكومة العراقية، ومستمرون في القتال ضد داعش بالتعاون مع التحالف الدولي وأن هذه المعركة لم تنته بعد.
  • مستقبل القوات الأمريكية في العراق سيحُدد من خلال المفاوضات مع حكومة العراق.
  • أعتقد أننا لن نغادر قريبا.
  • العراقيون يقاتلون بأنفسهم، لذا فقد تحولت مهمتنا من قتال مباشر إلى دعم أكبر وتدريبهم، ونحن بعيدون عن القتال عن الأرض، وهذا هو الموقف الذي نريد أن نراه يتطور.
  • دور الحكومة العراقية في اتخاذ إجراءات للدفاع عن القوات الأمريكية وقوات التحالف، وأنا سعيد بأنشطة القوات الأمنية العراقية، وبحمايتهم لشركاء التحالف من الهجوم، فهذه مسؤولية حكومة العراق، وأنا سعيد بأنها تتولى هذه المسؤولية بنجاح رغم أنها لم تنجح دائما".

 

 تصريحات من البنتاغون وإدارة الرئيس جو بايدن

  24 تموز 2021

  • من المرجح أن يتم إعلان الطرفين الامريكي والعراقي عن مواعيد خروج القوات الأمريكية من العراق متزامنا مع الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن في 26 تموز 2021.

 تصريحات من البنتاغون

  24 تموز 2021

  • لم نستبعد أن تحافظ واشنطن على قواتها المتواجدة في العراق حاليا وتعدادها 2,5 ألف عسكري، من خلال تغيير وظائفهم على الورق.

 تصريح جو بايدن

  26 تموز 2021

  • الولايات المتحدة ستنهي بحلول نهاية العام "مهمتها القتالية" في العراق لتباشر "مرحلة جديدة" من التعاون العسكري مع هذا البلد.
  • لن نكون مع نهاية العام في مهمة قتالية" في العراق، لكن تعاوننا ضد الإرهاب سيتواصل حتى في هذه المرحلة الجديدة التي نبحثها.
  •  الدور الأمريكي في العراق سيتحول إلى تقديم المشورة والتدريب.
 

كيف يُفسّر هذا التضارب؟

في البداية يجب الاشارة الى الهدف الأساسي من تواجد القوات الأمريكية في العراق الذي ليس له علاقة بحجة "مكافحة الإرهاب" لأن كما ذكرنا في ملفات أخرى القوات المتواجدة في العراق هي التي كانت تنقل المساعدات اللوجستية المرسلة من الولايات المتحدة الأمريكية لداعش لتعزيز قوّته هناك، والتواجد الأمريكي في العراق يعتريه الكثير من التناقض والخداع، إذ خُلق "داعش" ونما وتمدد برعاية أميركية، وبشهادة أكثر من مسؤول أميركي سابق اعترف بذلك بعد إحالته إلى التقاعد.  في الحقيقة القوات الأمريكية قاتلت ومازالت وحدات الجيش العراقي ووحدات الحشد الشعبي فقط. واليوم، يلمس الجميع لمس اليد كيف يتمدد "داعش" في العراق ويناور تبعاً لأجندة واشنطن، إذ تستغلّ حركته لمصلحة إبقاء مبرر لتغطية احتلالها العراق. وقد أشار أحد بنود المفاوضات الأخيرة في البيت الأبيض بوضوح إلى إبقاء ما يلزم لمحاربة "داعش".

هذا التضارب المقصود والمنسّق في التصريحات حول انسحاب القوات الأمريكية من العراق يهدف الى خداع البيئة المؤيدة والمعارضة لقضية الانسحاب، استناداً إلى تاريخ السياسة والاستراتيجية والمناورة الأميركية ومسارها، في العراق وأفغانستان ولبنان وفيتنام، وفي أية دولة أنزلوا على أرضها وحدات عسكرية، لا يمكن تصديق كل ما يقوله هؤلاء، فيستخدمون هذه الطريقة تارة للتأكيد وتارة للنفي من أجل تحقيق 4 أهداف رئيسية: عدم المقاومة/ الإحباط والتردد بقيام ردة فعل /الإطمئنان بضمان الوجود الأمريكي/استفزاز للقيام بعمليات عسكرية، فهذا التضارب بالتصريحات لا يمثل تخبط أمريكي بل تطبيق لتكتيك ممنهج يخدم الاستراتيجية الامريكية للحفاط على القوات الأمريكية في العراق، وتوضيحًا لهذا الأمر، نستعرض الرسم التالي الذي يوضح هذا التكتيك:

وعطفاً على قرار الأميركيين الأخير بتغيير مهمة وحداتهم في العراق، وبسحب الوحدات القتالية نرى أن هذا القرار يمثّل خداعًا دبلوماسيًا:

-الانسحاب في العراق هو بمثابة إعادة التوازن، وإزالة القوات المقاتلة واستبدالها بمدربين ومستشارين يمثّل خداع دبلوماسي. عندما نقول وحدات تدريبية - استشارية، فهذا يعني وحدات عسكرية تملك كل الخبرات القتالية، أي أنها وحدات قتالية في الأساس، وتكلف بمهمة تدريب وتقديم استشارات. وهنا، نعود بالذاكرة إلى نموذج مماثل من تلك الوحدات الأميركية، والتي بقيت تدرب وتقدم استشارات للجيش العراقي ووحدات الأجهزة الأمنية بعد انسحابها في العام 2011، استناداً إلى اتفاقية أمنية رعت حينها ذلك الانسحاب – تماماً كما يحدث اليوم في نتيجة مفاوضات بايدن – الكاظمي الأخيرة.

-يمكن القيام بأي عملية عسكرية ضدّ القوات العراقية أو الحشد الشعبي تحت عنوان مهمة استشارية.

وهذا يفسّر أن لا وجود لما يرّوج له إعلاميًّا بالانسحاب الأمريكي بالعراق، وهذا التلاعب في التصريحات ما هو الا خدمة إعلامية لتطبيق استراتيجية بقاء القوات الأمريكية في العراق.

ختامًا، ليست المرة الأولى التي تتمّ فيها مباحثات أو مفاوضات أميركية - عراقية في موضوع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، فلطالما اعتاد الرأي العام العراقي والإقليمي والدولي تلك المفاوضات التي كان ينتج منها تغيير في عناوين مهمة تلك الوحدات أو التعريفات المتعلقة بماهيتها أو باختصاصها أو الوحدة العسكرية التابعة لها فحسب. أما عملياً، فكانت النتيجة دائماً "لا شيء". تبقى تلك الوحدات "وحدات احتلال"، وتبقى مسؤولة عن التوتر الأمني، وتبقى الراعية الأولى لحركة الإرهاب المنظّم والموجّه داخل العراق


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور