05:19 بتوقيت القدس المحتلة

السبت 28 آب , 2021

الحلفاء الذين تُركوا لمصيرهم في أفغانستان.. نهاية عصر أمريكا

مطار كابول

فضيحة الانسحاب الأميريكي من أفغانستان هي احدى أوضح مظاهر تراجع الهيبة الأميركية في المنطقة والعالم، ومؤشر على نهاية هيمنتها. فمع نهاية الحرب الأفغانية التي استمرت 20 عامًا وقٌتل خلالها عشرات الآلاف من الأفغان و2500 جندي أمريكي تقريبًا، بتكلفة ناهزت التريليون دولار، بالإضافة الى هذا الإنسحاب المتسرّع والمفضوح، لهو دليل بيّن على تراجع الهيبة الأميريكية في العالم، على الرغم من أن تصرفات بايدن أسست لنهاية فعّالية النموذج الأمريكي للحكم، إلا أن أمريكا ستظل لسنوات دولةً عظمى، وليست قوة عظمى. قوة سيكون أثرها مرتبط بمدى قدرتها على حل مشاكلها الداخلية، وليس سياساتها الخارجية. 

إن التحديات الداخلية الموروثة منذ الاستقلال، تحولت في عهد دونالد ترامب إلى غدة قذرة، وحوّلت المجتمع الأمريكي إلى قطبين متباعدين لا يمكن أن يصلا إلى إجماع في أي أمرٍ تقريبًا. بدأ هذا الاستقطاب حول القضايا السياسية العامة مثل الضرائب والإجهاض، لكنه تحول بعد ذلك إلى نزاع مرير حول الهوية الثقافية، حتى أن تهديدًا كبيرًا مثل جائحة كورونا، الذي ينبغي أن يكون فرصة للمواطنين للإلتفاف والتوحد في مواجهته، فشل في وصول هذا المجتمع المشتت إلى إجماع. وأدت أزمة كوفيد -19 إلى تفاقم الانقسام الأمريكي، حيث لا يُنظر إلى التباعد الاجتماعي، استخدام الكمامات واللقاح، على أنها تدابير للسلامة العامة، بل كمؤشرات سياسية. 

تبعات الأزمة الداخلية العميقة والنتائج المريرة للهزيمة الاستراتيجية والأخلاقية الأمريكية في أفغانستان، وإنسحابهم المتسرع غير المخطط له، تجاوزت حدود أفغانستان والشعب الأفغاني، وعزز عدم الثقة بأمريكا بين حلفاء واشنطن وأعدائها في جميع أنحاء العالم. يبدو أن جميع حلفاء أمريكا، من تايوان وأوكرانيا ودول البلطيق إلى الكيان الاسرائيلي واليابان، يأخذون العبر من هذه الحادثة، بأنهم تُركوا لمصيرهم! مأساة أفغانستان، هي تأكيد على أن الضمانات الأمريكية لا يمكن الوثوق بها.

جاء غزو أفغانستان والعراق في ذروة الغطرسة الأمريكية، وكان يؤمل عند غزو العراق عام 2003 وأفغانستان (التي جرى غزوها قبل عامين) ولادة شرق أوسط جديد، لكن بعد 20 عامًا من احتلال أفغانستان، الافتقار إلى التخطيط المناسب والانهيار السريع في افغانستان، تحول لأكبر هزيمة سياسية لحكومة جو بايدن في الأشهر السبعة الأولى من رئاسته. في الوقت الذي لم يبق فيه غطرسة على الساحتين الداخلية والدولية ولا هيمنة متسلطة باسم أمريكا، حتى وزارة الدفاع التي كانت عاجزة عن تقدير التطورات في أفغانستان، وقدّرت أنها لن تكون قبل سنة أو سنتين، أو على أقل تقدير، عدة أشهر. 

مع هذا التوصيف للإنهيار الوشيك لأمريكا، من الضروري ألّا تعتمد دول العالم، وخاصة دول الجوار في المنطقة، على واشنطن لتأمين أمنها ومصالحها العابرة الأخرى، ويمكن أن توفر المؤتمرات الإقليمية مثل مؤتمر بغداد، منصة لزيادة التقارب الإقليمي، ولا شك أن أمن المنطقة سيتحقق بتعاون وتفاعل كافة دول المنطقة. دعونا نتذكر أن هذا التعاون هو الذي أدى إلى هزيمة داعش، هذا الكيان غير الشرعي الذي أنشأته واشنطن. وإيران القوية تعدّ أنّ من واجبها حماية المنطقة من الشيطان الأكبر وأذياله، بالطبع مع مراعاة واحترام المبادئ القانونية وميثاق الأمم المتحدة، وبالتعاون مع الحكومات الصديقة.

لقد سفكت دماء الشباب العراقي والإيراني واللبناني والأفغاني والسوري من أجل الحصول على منطقة آمنة خالية من الإرهاب، من سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى نهري دجلة والفرات، ومن أجل تأمين الأمن والأمان لشعوب المنطقة. المقاومة إنجاز يجب على الحكومات من بيروت إلى كابول الحفاظ عليه وتقويته.


المصدر: باحث قانوني وإعلامي

الكاتب: علي فهيم دانش