الثلاثاء 21 أيلول , 2021 02:54

الانتخابات العراقية: عن أسباب المقاطعة والمشاركة الفاعلة

لا يخفى على أحد من المتابعين للشأن العراقي، بأن الوضع في العراق مأساوي ويبعث على الحزن والكآبة عند المحب والحريص على هذا البلد العزيز، ولكن مع ذلك فما زال هناك من يسعى ويأمل بالخروج من هذا المأزق والنفق المظلم، وهناك من يريد استقرار الوضع على ما هو عليه، وأن لا ينحدر للأسوأ، كما تريد بعض الجهات والمشاريع، ولكل وضع واتجاه حواضن وقوم، وأن ما حصل من تغيرات بعد عام ٢٠٠٣ وفّر للبلاد والعباد فرصة عظيمة للنهوض بالعراق، وعلى كل الصعد والمستويات، وكانت الديمقراطية والإنتخابات البرلمانية واحدة من اهم وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية والتبادل السلمي للسلطة، وقد وفرت رغبة وفرحة الناس بالتخلص من الدكتاتورية، حالة من التوحد والانسجام شبه التام بين الجماهير والقوى السياسية التي تصدت للعمل السياسي والاستعداد للتمثيل النيابي للجماهير، مع وجود نسبة من المعارضين والمعترضين على كل ما حصل بعد عام ٢٠٠٣.

لكن نتيجة للفهم الخاطيء وعدم القدرة وقلة الخبرة في التميز بين الغاية والوسيلة، ومع وجود مشاريع ونوايا مسبقة للتخريب، اتجهت وجنحت العملية السياسية شيئَا فشيئَا إلى مستنقع الفساد والفشل، فكانت المحاصصة الفاسدة والفاشلة، هي اول عناوين الانقلاب على الديمقراطية، واكبر مصدر للمعاناة والمتاعب للجماهير المحبطة، وبالتأكيد أن المحاصصة الفاسدة والفاشلة، ضرر وشر للبلاد والعباد، ولكن ليس للكتل السياسية من أحزاب وتيارات، لأنها بوابة المناصب والمكاسب، ولباقي الناس الحرمان والمتاعب، وهذا التوجه هو الذي أسس لبداية الافتراق، وزيادة غضب الشعب حد الانفجار، وأن من مصدر الفساد والفشل، هو أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وهنا صار الاتجاه المعاكس بين طموح الشعب، واهداف ورغبات الاحزاب والتيارات، فأصبح من كان يحرص على الانتخابات هو من يدعو للمقاطعة، ومن كان يدعو للمقاطعة هو من يحرص على المشاركة، مع ثبات القلة على نفس الموقف ... ولكن لماذا يحصل ذلك؟ 

اسباب ودوافع التغيرات 
بعد ان اصبح الفساد والفشل هو العنوان الابرز للعملية السياسية، وقد صار من الثوابت، ولم يعد حالة أو حالات، بل صار ظاهرة مأساوية ومرعبة، ومن خلال المقاربة والمقارنة بين الرؤيتين، لما قبل ٢٠٠٣ وما بعد ذلك، فاننا نرى ونجد أن جميع الأطراف التي كانت تدعو إلى محاربة ومقاطعة الانتخابات في الظاهر، كانت تشارك فيها وبقوة من خلال بعض القوائم والكتل، الا نسبة قليلة منهم، ممن يخافون من انكشاف أمرهم، وهم من المطلوبين للعدالة، ولكنهم مع ذلك، لم يتوقفوا عن إيجاد المنافذ والثغرات للدخول إلى العملية السياسية والعودة للسلطة، وسوف يواصلون العمل لتوسيع مساحة تواجدهم، وإيجاد الفرص المناسبة لفرض ما يريدون، بأحداث الخراب، سواء بالخطاب أو الحراب، وهذه الأطراف والجهات كلما تبين لها حقيقة وجود الفساد والفشل، كلما أزدادت حماسة ورغبة في استغلال العملية السياسية لتحقيق ما تريد.

ولهذا السبب نلمس التغيرات في مواقفها من العملية السياسية والمشاركة بالانتخابات، وحتى وإن بقيت بعض الأصوات الداعية للمقاطعة، وهي بمثابة خط للرجعة، في حال فشل الاختراق بشكل كبير، ومن الطبيعي أن نفهم منهج ومسعى هؤلاء، ولكن لنأتي إلى تبيان وتفسير اسباب ودوافع التغيرات عند جمهور الطرف الذي كان المساند والمؤيد للعملية السياسية، ويدعو بقوة وحماس للانتخابات، وقد قدم الغالي والنفيس، وأعطى الدماء الطاهرة والزكية في سبيل نجاحها، فاننا في الوقت الذي نجد طاقة الحماسة والاندفاع قد ازدادت عن من تيقنوا من وجود الفساد والفشل، نلاحظ هبوطها وضعفها عند من احبطوا وخذلوا ممن انتخبوهم، وهذا الخذلان والاحباط يتركز اغلبه تقريبّا في مناطق الوسط والجنوب، وبنسبة اقل في باقي المناطق، وأن سبب العزوف والدعوة لمقاطعة الإنتخابات سواء السابقة أو الآتية، هو أن الجماهير المضحية، قد تحولت إلى ضحية لمجرمين وفاسدين وفاشلين، لصوص جبابرة وطغاة صنعوا بأيدي الضحية.

والمأساة ان هؤلاء اللصوص والسراق قد جاءوا عبر الانتخابات ولم يأتوا بالانقلابات، مع انهم لم يتحولا إلى مجرمين إلاّ بعد انقلابهم على الدستور والقاعدة الجماهيرية، سواء من خلال المحاصصة أو بترك قدسية التكليف إلى رجس المظاهر والتشريف، مع انهم يعلمون جيدَا أن الجماهير التي انقلبوا عليها هي التي صنعتهم، ولاننا نعرف الفارق بين اهل الحق وزمر الباطل، نفهم اسباب ودوافع دعوة المخلصين، وعزوف كل شريف ونظيف عن الاهتمام والمشاركة بالانتخابات، فهم لا يريدون أن يتحملوا مسؤولية المشاركة بالفساد والفشل، وخصوصا بانهم يطمحون لغاية تحقيق العدالة الاجتماعية، على العكس من زمر الباطل، ولكن بالعودة إلى دعوتنا لفهم ومعرفة الفارق بين الغاية والوسيلة، نجد انه من الخطأ الكبير مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة في التصويت، مهما كان حجم وقذارة الفساد والفشل الذي تمارسه الكتل السياسية من الاحزاب والتيارات، وللإجابة على أهمية وضرورة المشاركة، ولمن يجب التصويت؟ 

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي موقع الخنادق


الكاتب:

السيد جليل هاشم البكّاء

مدير معهد الفرات الدولي للتطوير والتنمية / العراق




روزنامة المحور