الخميس 08 كانون الثاني , 2026 01:49

الاحتجاجات في إيران… تضخيم إعلامي، وعنف منظّم: قراءة في المشهد الميداني والاستراتيجي

أعمال شغب وعنف في إيلام غرب إيران

في الأيام الأخيرة، عادت الاحتجاجات الى بعض المدن الإيرانية، ولا سيما في الأطراف، لتشهد موجة جديدة حملت في ظاهرها مطالب معيشية واقتصادية، إلا أن جوهر المشهد لا يمكن فصله عن سياقه الأوسع. فالحراك، وإن انطلق على خلفية ضغوط اقتصادية حقيقية، سرعان ما أُدرج ضمن إطار حرب نفسية وإدراكية مركّبة، تُدار من الخارج وتُنفّذ بأدوات داخلية، وتستهدف النظام الإسلامي في إيران بشكل مباشر.

الاقتصاد والأوضاع المعيشية كمدخل لإسقاط النظام

اقتصادياً، جاءت هذه الاحتجاجات في ظل أزمة معقّدة تعيشها إيران منذ سنوات، تفاقمت مع تصعيد العقوبات الدولية، ولا سيما بعد تفعيل الأوروبيين لما يُعرف بـ«آلية الزناد»، وما رافق ذلك من تضييق شبه كامل على صادرات النفط، ومنع الوصول إلى النظام المالي العالمي سويفت والبنوك الدولية، وإعاقة التداول بالدولار.

وقد شهدت العملة الإيرانية (التومان) تراجعاً حاداً، إذ تجاوز سعر الدولار في السوق غير الرسمية عتبة 140 ألف تومان، وارتفع معدل التضخم إلى ما يفوق 52% بنهاية عام 2025، ما أدى إلى زيادة ملموسة في معدلات الفقر والركود.

هذه الوقائع الاقتصادية خلقت حالة قلق شعبي حقيقي، لكنها في الوقت نفسه شكّلت فرصة مثالية لقوى خارجية وداخلية لتوجيه الغضب الشعبي نحو مسارات تخريبية لإسقاط النظام او إضعافه. فواشنطن لا تخفي أنها تستثمر في الضغوط الاقتصادية كأداة سياسية، مستفيدة من هشاشة سعر الصرف، وربط الاقتصاد النفطي الإيراني بالدولار، والتلاعب بسوق العملات، بهدف توليد توترات اجتماعية قابلة للاستثمار.

في المقابل، تعمل الحكومة الإيرانية على احتواء الأزمة عبر حزمة إجراءات وسياسات داخلية، من بينها:

-تقليص الاعتماد على الريع النفطي،

-التوجّه شرقاً وتعزيز الشراكات مع دول الجوار وروسيا والصين،

-توسيع التبادل بالعملات المحلية،

-الانخراط في تكتلات اقتصادية بديلة مثل "البريكس"،

-استخدام الذهب والعملات الرقمية في بعض المبادلات، وهي إجراءات لا تُنتج نتائج فورية، لكنها تؤشر إلى مسار فك الارتباط التدريجي بالهيمنة المالية الغربية.

رغم الحصار والعقوبات، إن ما قدّمته الثورة الإسلامية لشعبها خلال العقود الماضية لافت ومهم، من الصناعات المتقدمة، إلى التطور في مجالات الطاقة النووية والطب والتكنولوجيا والفضاء، إلى شبكة بنى تحتية واسعة، مجانية التعليم والصحة، واستقلال سياسي شامل عن الهيمنة الأجنبية، وهو ما لا تتحمله القوى المعادية للجمهورية الإسلامية.

من التظاهر والاحتجاج إلى الشغب

رغم أن التظاهرات بدأت بطابع سلمي، فإن الساعات الأولى كشفت وجود مجموعات منظّمة، مرتبطة بأجندات خارجية، تلقّت توجيهات مباشرة وهو ما أقرّ به الإعلام الإسرائيلي نفسه، وتحدث عنه علناً وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو بهدف جرّ الشارع نحو العنف.

وقد استُهدفت مراكز الشرطة، والمؤسسات الحكومية، والمباني العامة، وجرى استخدام السلاح الناري ضد عناصر الأمن، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى في صفوف الشرطة. هذه الوقائع تُخرج الأحداث من خانة "الاحتجاج" إلى خانة "العنف المنظم".

في المقابل، شهدت مدن مركزية كبرى مثل طهران، أصفهان، مشهد، وقم، ومحافظات أخرى، تظاهرات واسعة داعمة للنظام وللقائد السيد علي الخامنئي، ومنددة بأعمال الشغب. هذا المشهد يعكس حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها أن الكتلة الاجتماعية الأكبر في إيران ما زالت متمسكة بالنظام والثورة وقيادتها، وتفرّق بوضوح بين المطالب المعيشية المشروعة وبين مشاريع التخريب الخارجية.

الأكذوبة الإعلامية: "سقوط مدن"

ضمن الحرب النفسية، جرى تضخيم مشاهد رمزية كتمزيق صورة الشهيد قاسم سليماني أو إحراق علم إيران أو إطلاق نار على أفراد الشرطة وتقديمها على أنها «سقوط مدينة» أو «خروجها عن السيطرة»، كما رُوّج في حالة مدينة آبدانان في محافظة إيلام غرب إيران، غير أن الواقع الميداني يُكذّب هذه السرديات بالكامل. فهذه الأفعال، مهما كانت استفزازية، لا تعني انهيار الدولة ولا سيطرة المحتجين على المدن، بل هي أدوات دعائية تُستخدم لتضليل الرأي العام داخلياً وخارجياً.

ما جرى ان الشرطة الإيرانية، لا سيما في مدينتي آبدانان وملكشاهي في إيلام غرب إيران وغيرها، التزمت بسياسة ضبط النفس وحماية المتظاهرين السلميين، ولا تتدخل إلا عندما يتحوّل الحراك إلى أعمال تخريب واشتباك مسلح. وقد أكد قائد الشرطة الإيرانية العميد أحمد رضا رادان، ورئيس السلطة القضائية محسن إيجه إي للصحفيين بوضوح أن التعامل مع مثيري الشغب مختلف كلياً، لأن من يحرق ويقتل ويهاجم مؤسسات الدولة والأملاك العامة ليس متظاهراً سلمياً، بل عنصر في شبكة عنف منظّم.

اللافت تركيز المجموعات المسلحة الانفصالية (جيش العدل، كوملة، بيجاك، مؤيدو الملكية البهلوية..) على منطقة غرب إيران (الحدود مع كل من تركيا، آذربيجان والعراق)، التي تشهد محاولات متكررة لزعزعة استقرارها، فهي ليست مجرد منطقة جغرافية، بل هي مركز حيوي في أي مواجهة عسكرية مقبلة مع إسرائيل وأمريكا. وفيها تتركز قواعد صاروخية رئيسية ومنشآت دفاعية ومرافق لوجستية تشكّل عماد القوة الإيرانية الردعية، ما يفسر سعي الأعداء إلى تحريكها أمنياً من الداخل كمدخل لاستنزافه قبل أي مواجهة محتملة.

وعي شعبي في مواجهة "الثورات الملوّنة"

ما يميّز المشهد الإيراني اليوم هو مستوى الوعي الشعبي. فالإيرانيون، رغم الضغط المعيشي، يدركون أن ما يجري ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من استراتيجية «الثورات الملوّنة» المعروفة، التي تقوم على:

- استغلال الأزمات الاقتصادية،

- تضخيم الأحداث إعلامياً،

- نشر فيديوهات مفبركة أو مجتزأة،

- تحريض فئات شبابية عبر وسائل التواصل،

- الدفع نحو الفوضى بهدف إنهاك الدولة.

وقد ظهر هذا بوضوح في التصريحات الأميركية والإسرائيلية. وزارة الخارجية الأميركية أعلنت منذ اليوم الأول دعمها "لجهود الشعب الإيراني"، فيما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب صراحة بإمكانية "التدخل لإنقاذ المتظاهرين". في المقابل، لم يُخفِ مسؤولون إسرائيليون وإعلامهم رهانهم على إسقاط النظام، حتى وصل الأمر إلى دعوات علنية من حسابات مرتبطة بالموساد تحرّض الإيرانيين للنزول إلى الشارع تحت شعار "نحن معكم على الأرض". فيما أعرب الوزير الإسرائيلي عميحاى شيكلي عن تفاؤله بنجاح ما أسماه "الثورة الحالية".

أمام هذا المشهد، اعتمدت الحكومة الإيرانية سياسة احتواء مزدوجة أمنية واقتصادية. فبالتوازي مع ضبط الشارع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، فُتحت قنوات حوار مع البازار والقوى الاقتصادية، وأُقرت إجراءات لتخفيف الضغط المعيشي، واعتمد خطاب سياسي هادئ بعيد عن المبالغة، مع رفض واضح لأي تدخل خارجي.

هذه المقاربة تعكس ثقة الدولة بنفسها، وتُظهر أن ما يجري لا يشبه سيناريوهات الانهيار، بل هو اختبار إضافي لقدرة النظام على امتصاص الصدمات.

جهوزية القوات المسلحة لجولة ثانية من الحرب

على المقلب الآخر، تبدو إيران في هذه اللحظة أكثر استعداداً من أي وقت مضى لأي مواجهة عسكرية محتملة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. التطورات الميدانية في الأيام الأخيرة رسمت خريطة دفاعية شاملة لم تترك ثغرة واحدة دون معالجة.

فمن تأمين الجبهة الشمالية الغربية في تبريز، إلى تفعيل قواعد الردع الاستراتيجية في قاعدة "نوجه" الجوية في همدان، إلى تحصين المنشآت النووية والبحثية في كرج غرب طهران، لم يعد هناك أي فراغ عسكري أو جغرافي غير مُغطّى. الإجراءات الأمنية المشددة حول مطارات طهران تؤكد أن الدفاع الجوي الإيراني في أقصى درجات الجهوزية، وأن حالة "التحفز العصبي" تشير إلى مستوى الخطر المحسوب.

ومع صدور بيان مجلس الدفاع الإيراني الأخير، اتضحت نية الجمهورية الإسلامية في تعديل قواعد الاشتباك جذرياً. فقد أكد أنه "في إطار الدفاع المشروع، لا تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها مقيدة بالرد بعد وقوع الفعل فقط، بل تعتبر المؤشرات الملموسة للتهديد جزءاً من المعادلة الأمنية." هذه العبارة ليست عادية، بل إعلان صريح بأن إيران قد تذهب إلى الضربات الاستباقية إذا رأت في ذلك ضرورة استراتيجية.

وما حدث خلال حرب الـ 12 يوماً، التي خاضتها إيران مؤخراً، لم تكن سوى بروفة تجريبية لحرب كبرى مقبلة قد تكون شاملة، وتشمل ساحات عدة. الرسالة وصلت إذن، الحرب القادمة إذا فُرضت لن تكون كسابقاتها. بل ستكون قاسية ومدمرة، خاصة على الكيان المؤقت الذي يدرك أن منشآته الحيوية من الكرياه في تل أبيب إلى مفاعل ديمونا ستكون ضمن بنك أهداف الردع الإيراني، وان صواريخ إيران فرط الصوتية لن تتوقف حتى يخضع نتنياهو ويُهزم، وكذلك كافة القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة وليس قاعدة العديد في قطر فحسب.

وفي السياق، يروّج الإعلام الغربي والعربي المرتبط بمشروع العداء لإيران أن سيناريو كاراكاس سيتكرر في طهران، إلا ان إيران ليست فنزويلا، ولن تكون وفق مسؤولين إيرانيين. فقد جرّبت الولايات المتحدة سيناريو مشابهاً لعملية "خطف مادورو" وإسقاط النظام خلال حرب الأيام الـ 12، لكن التجربة باءت بالفشل أمام صلابة الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية ومناعة الدولة.

ويرى مراقبون أن إيران ليست دولة إقليمية قوية ومؤثرة فحسب، بل كيان تاريخي عميق الجذور وكما نجا الإيرانيون من الإسكندر الأكبر يمكنهم النجاة من إسكندر هذا العصر (ترامب) حسب تغريدة لكوميدي أميركي. ما يجري اليوم هو صراع إرادات بين دولة تعرف حجمها وحدودها وأدواتها، ومحور معادٍ يحاول الاستثمار في الضغوط الاقتصادية لإحداث اختراق داخلي. لكن المؤشرات حتى الآن واضحة الاحتجاجات لم تتحول إلى انتفاضة شاملة، والعنف بقي محصوراً، والدولة لم تفقد السيطرة، والشارع الإيراني رغم مشاكله الاقتصادية لم يمنح خصومه ما يريدون.

الثورة الإسلامية التي انطلقت عام 1979 ولدت من رحم التحدي وما زالت تنبض، وها هي تُثبت مرة أخرى أنها ليست ضعيفة ولا مريضة ولا عاجزة، ولم تتقدم في العمر فقط، بل هي ثورة شابة فتية قادرة وقوية لديها مروحة خيارات وتتمتع بالحنكة والدبلوماسية.

المشهد اليوم لم تُكتب سطوره الأخيرة بعد، ومن الواضح أن إيران لا تُدار بردّات الفعل، بل برسم المعادلات. والمعادلة الآن إذا فُرضت الحرب، فستكون حرباً قاسية ومدمّرة.


الكاتب:

د. محمد شمص

-إعلامي وباحث سياسي.

- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.

-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.

- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني. 

[email protected]




روزنامة المحور