يستعرض هذا المقال، الذي نشرته مجلة "فورين آفيرز – Foreign Affairs" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، كيف يمكن أن تكون ارتدادات عملية خطف مادورو على فنزويلا، بل حتى كيف يمكن – وفقاً لزعم كاتب المقال الباحث ويل فريدمان - أن تعيد عملية الخطف تشكيل أميركا اللاتينية.
فبرأي فريدمان، ثمة طيف واسع من الاحتمالات. يتراوح ما بين تقديم دفعة لمسعى ترامب لفرض الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، وما بين النقيض من ذلك تماماً وهو العجز عن إحداث تغيير جذري في فنزويلا ينتهي بكشف حدود القوة الأميركية. مع ترجيح بأن تأتي النتائج النهائية في مكانٍ ما بين هذين الحدّين.
النص المترجم:
في الثالث من كانون الثاني / يناير، فعلت القوات الأميركية ما اعتقد كثير من المراقبين أنه مستحيل: إذ ألقت القبض بسرعة على نيكولاس مادورو، حاكم فنزويلا المراوغ الذي بدا طويلاً عصياً على الانقلابات. وعلى مدى سنوات، أثبت مادورو أنه خبير في البقاء السلطوي—فقمع ما لا يقل عن 9 تمرّدات عسكرية وصمد في وجه الضغوط الاقتصادية الأميركية. لكن فجر يوم السبت، سقط عملياً من دون قتال يُذكر. تعرّضت مروحيات "دلتا فورس" لإطلاق نار محدود وهي تحلّق على علو منخفض فوق أسطح كاراكاس باتجاه مخبأ مادورو، حيث اقتحمت القوات الأميركية المكان، واعتقلته مع زوجته، ثم نقلتهما سريعاً إلى حاملة طائرات. وبعد ساعات، كان الاثنان خلف القضبان في نيويورك، يواجهان اتهامات تتعلق بالمخدرات والأسلحة. ولم تُسجَّل خسائر في صفوف الأميركيين، غير أنّ ما لا يقل عن 80 كوبياً وفنزويلياً، بينهم بعض المدنيين، قُتلوا. بدت العملية برمّتها سهلة إلى حد دفع كثيراً من المحللين—وبشكل معقول—إلى التساؤل عمّا إذا كان نافذون داخل النظام قد سهّلوا إخراج مادورو، بما يشبه انقلاب قصر بالوكالة. وفي الوقت نفسه، شكّلت العملية استعراضاً دراماتيكياً لاستعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتخلّي عمّا تبقّى من "النظام الدولي القائم على القواعد" واستخدام القوة العسكرية لفرض الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي.
في الأيام التي تلت، احتفل الفنزويليون في الخارج بحماس عارم. أما داخل البلاد، فظلّ الهدوء سائداً. ويبدو أن معظم الناس يدركون أنّه ربما لم يتغيّر الكثير فعلاً. فترامب، في نهاية المطاف، أبقى نظام مادورو إلى حد كبير على حاله، معترفاً بدِلسي رودريغيز، نائبة مادورو، رئيسةً انتقالية حتى قبل أن تقبل هي المنصب علناً. والسؤال هو: هل ستظل التحوّلات محدودة نسبياً، أم أن إخراج مادورو ينذر بتغييرات أكبر داخل فنزويلا والمنطقة؟
ثمة طيف واسع من الاحتمالات. فقد يسهّل إقصاء مادورو انتقال فنزويلا إلى الديمقراطية، ويقوّض نظام كوبا، ويُقدّم دفعة لمسعى ترامب لفرض الهيمنة الأميركية على مستوى نصف الكرة. وعلى النقيض، قد يكتفي نظام مادورو المُعاد ترتيبه بقبول مزيد من المرحّلين من الولايات المتحدة ومنح واشنطن السيطرة على احتياطاته النفطية، من دون أن يغيّر الكثير في الجوهر. وقد تبقى موجات الصدمة الإقليمية محدودة. بل إن العجز عن إحداث تغيير جذري في فنزويلا قد ينتهي إلى كشف حدود القوة الأميركية.
لكن المرجّح أن تأتي النتائج النهائية في مكانٍ ما بين هذين الحدّين. فعلى المدى القصير، ستبدو التداعيات على فنزويلا محدودة، فيما يحاول ترامب العمل مع النظام المُعاد تشكيله لتأمين هدفه الأول: الوصول إلى النفط. وقد تردّ حكومات أميركا اللاتينية بالكلام، لكن معظمها سيتجنّب الأفعال كي لا يستجلب غضب ترامب. ومع مرور الوقت، قد تصبح الصورة أكثر تعقيداً. فقد يشنّ ترامب هجوماً جديداً على فنزويلا، خصوصاً إذا كانت رودريغيز غير راغبة—أو مُقيّدة من شخصيات أخرى داخل النظام—في تنفيذ توجيهاته. ومن المرجّح أن تتراجع شحنات النفط الفنزويلي إلى كوبا، ما سيُضعف (وإن لم يُسقط بالضرورة) نظام الجزيرة المتعثّر أصلاً. وقد تواجه كولومبيا تدخلاً أميركياً، نظراً لأن رئيسها اليساري—على خلاف معظم جيرانها—يبدو متحمّساً لمواجهة ترامب، ولأن ترامب يرحّب بهذا النزاع. والأهم، قد تسعى دول أميركا اللاتينية، ولا سيما الأكبر والأبعد جغرافياً، إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والأمنية أكثر للحد من تعرضها لضغوط واشنطن المتشددة والمتطلبة. وبعبارة أخرى، قد يُسهم هجوم ترامب في تحقيق حلمه بالسيطرة على نصف الكرة الأرضية أو في عرقلته.
طريق المقاومة الأقل
لفهم كيف يمكن أن تتغيّر فنزويلا والمنطقة، ينبغي على المحللين أولاً الانتباه إلى نطاق مطالب إدارة ترامب من القيادة الفنزويلية المُعاد تشكيلها. ويتطلّب ذلك التركيز أقلّ على الأوامر والطموحات التي يذكرها ترامب ارتجالاً في العلن—وهي بطبيعتها متقلّبة—والتركيز أكثر على التقارير والتسريبات حول ما يضغط هو وفريقه من أجل انتزاعه من كاراكاس في الكواليس.
أحد الاحتمالات أن تكون هذه المطالب ضيّقة: فتح احتياطيات فنزويلا النفطية أمام سيطرة واستثمارات أميركية طويلة الأمد، وتهميش بعض الخصوم الجيوسياسيين، وفي مقدّمهم إيران وكوبا، ودفع كاراكاس إلى قبول عدد أكبر من المُرحَّلين. وقد لمح ترامب إلى هذا السيناريو في مؤتمره الصحافي في 3 كانون الثاني/يناير، حين شدّد على أهمية النفط الفنزويلي وأبدى اهتماماً ضئيلاً بإعادة الديمقراطية إلى البلاد. بل إنه بالكاد ذكر المعارضة الفنزويلية؛ وحين فعل، اقتصر قوله على أن زعيمة المعارضة والحائزة حديثاً جائزة نوبل للسلام، ماريا كورينا ماتشادو، لا تحظى بـ"الاحترام" الكافي لإدارة البلاد. في المقابل، اقترح ترامب أن دِلسي رودريغيز، الموالية منذ زمن لمادورو ولسلفه هوغو تشافيز، يمكنها أن تجعل بلدها "عظيماً من جديد". وقال أيضاً إن مجموعة من مسؤولي إدارته ستتولى "إدارة" فنزويلا، قبل أن توضح الإدارة لاحقاً أنه قصد إدارة غير مباشرة عبر تهديد قادة نظام مادورو المتبقّين لإجبارهم على الامتثال للمطالب الأميركية.
قد يرضي جدول أعمال أميركي محدود كهذا كثيرين داخل فريق ترامب، بمن فيهم نائب الرئيس جيه دي فانس، وكبير مستشاري السياسات ستيفن ميلر، وغيرهما ممّن يشكّكون في مشاريع "بناء الدول" ويركّزون أكثر على الأولويات الداخلية. وقد يرى ترامب أيضاً أن هذا المسار هو الأسهل تنفيذاً والأقل إثارة لرفض الأميركيين، إذ أظهر استطلاع في 5 كانون الثاني/يناير أن ثلث الأميركيين فقط يؤيدون استخدام القوة العسكرية لإطاحة مادورو. وقال أحد مساعدي الكونغرس، مشترطاً عدم الكشف عن هويته: "ما رأيناه للتو هو صفقة تجارية مع تغيير في القادة".
لكن حلفاء آخرين لترامب أشاروا إلى أنهم سيدفعون باتجاه تحوّلات أشدّ وأكثر طموحاً: أي إنهاء نظام الاشتراكية البوليفارية في فنزويلا في نهاية المطاف والعودة إلى الديمقراطية، على الأرجح عبر مفاوضات. ومن بين هؤلاء وزير الخارجية ماركو روبيو وجمهوريون نافذون في الكونغرس. وعلى الرغم من أن ترامب يبدو أقلّ اكتراثاً بالديمقراطية، فإن روبيو يتمتّع بتأثير واضح لدى ترامب ومسؤولي الإدارة في ملفات أميركا اللاتينية، وقد يتمكّن من إقناعهم بأن الانتقال الديمقراطي يخدم مصالحهم. أما المشرّعون الجمهوريون، فقد يقنعون ترامب بأن الاكتفاء بأهداف ضيّقة تتمحور حول النفط والهجرة سيضرّ الحزب انتخابياً. وقد يبرز ذلك خصوصاً بين الناخبين اللاتينيين في فلوريدا المتحمّسين لتغيير النظام في فنزويلا وكوبا، وكثير منهم يشعر أصلاً بالخيانة بسبب التطبيق الأشدّ من المتوقع لسياسات ترامب الخاصة بالترحيل (وقد انتخبت ميامي للتو رئيس بلدية ديمقراطياً للمرة الأولى منذ نحو 30 عاماً).
ستتوقّف قرارات ترامب أيضاً على الخيارات التي سيتخذها المسؤولون الفنزويليون لاحقاً. فإذا تحدّوا البيت الأبيض برفض تسليم حقوق النفط أو تقليص العلاقات مع كوبا، فقد تعاود واشنطن مهاجمة البلاد، كما صرّح ترامب مراراً. لكن التعاون يبدو المسار الأرجح. وتحديداً، تتمتّع رودريغيز بسمعة براغماتية. صحيح أنها أدانت هجمات واشنطن، لكن مثل هذه التصريحات قد تعكس حاجة إلى استرضاء المتشدّدين داخل النظام والمنافسين المحتملين، مثل ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية والعدل والسلام. وقد تكون أيضاً محاولة لصرف الأنظار عن الشبهات بأنها ساعدت في تسليم مادورو. وفي كل الأحوال، لا ينبغي أخذ هذه التصريحات على ظاهرها. فبحسب تقارير "ميامي هيرالد"، تقدّمت رودريغيز وشقيقها ذي النفوذ السياسي—الذي أُعيد تعيينه للتو رئيساً للجمعية الوطنية—العام الماضي بخطة إلى مسؤولين أميركيين تقضي بأن تحلّ محل مادورو وتتعاون مع الولايات المتحدة، مقابل الإبقاء على نظامه (وبحسب التقرير، عرقل روبيو الصفقة). كما أن رودريغيز أقلّ التزاماً بكوبا مما كان عليه مادورو، وهو ما تُرجعه وسائل إعلام إلى استيائها من فشل كوبا في تسديد أثمان شحنات النفط الفنزويلية بشكل موثوق. وقد قال بعض مسؤولي إدارة ترامب لـ"نيويورك تايمز"، شريطة عدم الكشف عن أسمائهم، إنهم يعتقدون بإمكانية العمل معها. بل إن التعاون مع واشنطن قد يكون جارياً بالفعل إذا كانت هي أو مسؤولون آخرون في النظام قد تواطأوا سراً مع الولايات المتحدة لتسليم مادورو—وهو احتمال قائم.
لدى ترامب حافز إضافي للإبقاء على مطالبه من رودريغيز محدودة: فكلما كانت المطالب أضيق، زادت احتمالات موافقتها عليها. وعلى الأرجح لا يرغب معظم المسؤولين الأميركيين في مهاجمة كاراكاس مجدداً، إذ إن خطوة كهذه قد تزرع الفوضى بسهولة بدلاً من فرض الامتثال. ومن ثمّ، فإن صفقة ضيّقة—دعم رودريغيز مقابل مزيد من النفط وتقليص المساعدات لهافانا—تمثّل "طريق المقاومة الأقل" للطرفين.
وبالطبع، لكي تتعاون فنزويلا مع مطالب ضيّقة أو واسعة، لا بدّ أن تكون هناك جهة تسيطر فعلاً على البلاد. وفي الوقت الراهن، يظلّ الإخوة رودريغيز في موقع السيطرة. لكنهم يواجهون منافسين محتملين أقوياء—وفي مقدّمهم كابيو، الذي يمسك بنفوذ واسع على الميليشيات شبه العسكرية (الكوليكتيفوس)، وكذلك على الشرطة الوطنية وأجزاء من جهاز الاستخبارات. وقد يسعى كابيو إلى منع كاراكاس من التعاون مع البيت الأبيض، الذي ينظر إليه بريبة شديدة (وقد وجّهت وزارة العدل الأميركية اتهامات لكابيو بالاتجار بالمخدرات، إلى جانب مادورو). وإذا لم يتمكّن كابيو من حمل رودريغيز على تلبية مطالبه، فقد يحاول إما الإطاحة بها أو جعل البلاد غير قابلة للحكم. وفي تلك الحالة، سيتوقّف الكثير على ما يختاره قائد القوات المسلحة الفنزويلية، فلاديمير بادرينو لوبيز—وهو مركز القوة الثالث في النظام. وحتى الآن، يستحيل الجزم إلى أيّ طرف قد ينحاز، أو ما إذا كان قادراً على الحفاظ على تماسك الجيش إذا تصاعد الاقتتال الداخلي بشكل خطير.
مآزق القوة
إذا تعاونت دِلسي رودريغيز مع ترامب وحافظت على سيطرتها على البلاد، فقد لا تكون فنزويلا هي النظام الأكثر تعرّضاً للضغط الفوري في أميركا اللاتينية، بل كوبا. فالجزيرة تعتمد على المساعدة الفنزويلية، وكانت في وضع بالغ السوء حتى قبل أن يُلقى القبض على مادورو. الاقتصاد الكوبي في حالة يرثى لها. والسياحة، وهي صناعتها الأساسية، تقلّصت إلى ما لا يقل عن نصف مستويات ما قبل الجائحة، من دون أي مؤشرات على التعافي. كما يتصاعد معدّل الجريمة والأمراض مع تدهور أجهزة إنفاذ القانون والمستشفيات، نتيجة نقص التمويل. وقد صمدت حكومة الجزيرة سابقاً أمام ضغوط هائلة، لكنها تواجه اليوم أخطر أزمة في تاريخها.
الخطر الأكثر إلحاحاً على حكّام كوبا هو الطاقة. فالجزيرة تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد، ويأتي جزء كبير منه من فنزويلا، لتشغيل شبكتها الكهربائية التي تتأرجح على حافة الانهيار. أكثر من 40 في المئة من البلاد يفتقر إلى الكهرباء خلال ساعات الذروة. وبعض المحافظات لا تحصل على التيار إلا لساعتين إلى أربع ساعات يومياً. وإذا ما قطعت واشنطن الآن كوبا عن معظم النفط الفنزويلي—علماً أن الحصار البحري الأميركي أوقف بالفعل بعض الشحنات—فقد تنهار الشبكة. ومن المؤكد أن هافانا ستبحث عن دول أخرى للتدخّل، لكن من غير المرجّح أن تجد الكثير من المورّدين. فالمكسيك ترسل حالياً بعض النفط، لكن أقلّ مما كانت ترسله في السنوات الماضية. ومع تهديد ترامب المتكرر بمهاجمة الأراضي المكسيكية، من المستبعد أن يزيد مسؤولوها الإمدادات الآن. ولا يبدو أن البرازيل راغبة في تعويض فنزويلا أيضاً، إذ إن الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (لولا)، الذي يستعد للترشّح لإعادة الانتخاب العام المقبل، يدرك أن القيام بذلك سيقوّض علاقته التي تحسّنت حديثاً مع ترامب وقد يفتح الباب أمام تدخّل انتخابي. أما روسيا، المُنهكة بحربها في أوكرانيا، والصين، فمن غير المرجّح أيضاً أن تملآ الفراغ.
وإذا غرقت هافانا، التي عادةً ما تُحمى من انقطاعات طويلة للكهرباء، في الظلام، فقد يواجه النظام احتجاجات جماهيرية بحجم احتجاجات تموز/يوليو 2021 أو أكبر. (وقد أظهرت تظاهرات 2021، وهي الأولى من نوعها بهذا الحجم منذ عقود، عمق الغضب الشعبي واتساعه). وقد يصعب احتواء مثل هذه الاحتجاجات، ولا سيما إذا اندلعت في أحياء هافانا المكتظّة. وتلجأ قوات الأمن الكوبية غالباً إلى أساليب قمعية وحشية لإخماد الاضطرابات—كالاعتقال والتعذيب والتهديد. لكنها لم تطلق النار يوماً لتقتل عشرات الأشخاص في احتجاج واحد. ومن غير الواضح ما الذي قد يحدث إذا تغيّر ذلك، وما إذا كانت الاحتجاجات قد تتدحرج وتتسع.
ومع ذلك، من الممكن تماماً أن ينجو النظام حتى من هذا الوضع الكارثي. فللجيش الكوبي مصالح هائلة في بقاء الحكومة، إذ يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد عبر شبكة من الشركات التي قد تختفي بعد أي انتقال سياسي. ويبدو أنه لا أحد في الجزيرة في موقع يسمح له بتحدّي القوات المسلحة. وكما هو الحال مع نظام مادورو، قد يتطلّب إسقاط النظام الشيوعي في كوبا عملية عسكرية أميركية—وهي خطوة لا يبدو أن ترامب ولا الرأي العام الأميركي لديهما شهية كبيرة لها. فقد صرّح الرئيس مؤخراً، على سبيل المثال، بأنه يعتقد أن النظام الكوبي سيسقط من تلقاء نفسه، من دون تدخل أميركي مباشر.
لكن ترامب هدّد باستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد كولومبيا. إذ قال إن البلاد "تُدار من قبل رجل مريض يحب تصنيع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة، ولن يستمر في ذلك طويلاً". والرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، على خلاف قادة فنزويلا وكوبا، انتُخب ديمقراطياً. وهو يساري يعارض ترامب أيديولوجياً، وكان في فترات معيّنة ودوداً مع مادورو. ومع ذلك، لا يغيّر بيترو سلوكه. بل على العكس، يبدو مستمتعاً بالمواجهة، سواء لأنها تمنحه منصة دولية طالما سعى إليها، أو لأنه يعتقد أنها ستفيد خليفته السياسي. فالانتخابات الرئاسية في كولومبيا بعد أشهر قليلة، والمرشّح المفضّل لدى بيترو، إيفان سيبيدا، من المرجّح أن يواجه تدقيقاً بسبب إخفاقات الحكومة الحالية في الوفاء بوعودها السياسية. ويسعى بيترو إلى تحويل النقاش بعيداً عن التحديات الداخلية، والمواجهة مع ترامب تخدم هذا الهدف.
مع ذلك، ثمة أسباب تدعو إلى الشك في أن ينفّذ ترامب تهديداته بحق بوغوتا. فواشنطن تبدو متوقّعة فوز رئيس محافظ في أيار/مايو. كما تعتمد الولايات المتحدة على كولومبيا، شريكها الأمني الرئيسي في أميركا اللاتينية، للمساعدة في جانب كبير من جهود مكافحة المخدرات الإقليمية، حتى وإن كانت التوترات الأميركية–الكولومبية الحالية قد أعاقت هذه الجهود. لكن ترامب غير قابل للتنبؤ، وإذا واصل بيترو الردّ بصراحة على التحركات الأميركية في فنزويلا، فقد يتدخّل ترامب بقوة وبشكل ما.
إلى جانب كوبا وكولومبيا، وبالطبع فنزويلا، قد تكون لإزاحة مادورو تداعيات محدودة على المدى القريب. فقد انتقد لولا الضربات الأميركية، لكن حكومته سارعت إلى الاعتراف بدِلسي رودريغيز رئيسةً انتقالية ولم تبذل جهداً حقيقياً للدفاع عن مادورو. وكذلك الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، وهي يسارية أخرى ودافعت أحياناً عن مادورو، لديها أولويات مختلفة: إدارة مفاوضات تجارية مقبلة وتجنّب ضربات عسكرية أميركية على الأراضي المكسيكية ضد عصابات المخدرات. واعتماد المكسيك الكبير على التجارة مع الولايات المتحدة يقيّد بشدة هامش مناورتها.
يشير هذا الصمت إلى أن قسماً كبيراً من نصف الكرة الغربي هو، في الوقت الراهن، ضمن نطاق نفوذ واشنطن. ولسنوات، راقب محللون تمدّد الصين في المنطقة وجادلوا بأن النفوذ الأميركي يتراجع. لكن القبض على مادورو يوحي بأن الإدارات السابقة—بدافع الحذر واحترام القانون والأعراف، وأحياناً بسبب الإهمال—لم تستخدم ببساطة النفوذ الكبير الذي امتلكته واشنطن منذ زمن طويل.
غير أنّ ما إذا كان تدخّل ترامب في فنزويلا سيغدو شاهداً على قوة أميركا أم كاشفاً لحدودها—ويسهم في نهاية المطاف في تآكلها—يبقى أمراً غير محسوم. فكثير من الدول تردّ بالفعل على الاستخدام العقابي للرسوم الجمركية من قبل ترامب بالإسراع إلى تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع آسيا وأوروبا. وبعض الدول، بما فيها البرازيل وكولومبيا، تجرّب بناء علاقات أوثق—دفاعية وتقنية على التوالي—مع الصين. وقد يسرّع إخراج مادورو هذه الاتجاهات. وقد يفقد ترامب أيضاً اهتمامه بما يُسمّى "الجوار القريب" لواشنطن، لينتقل إلى بنود أخرى على جدول أعماله الدولي. صحيح أن استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة مؤخراً تضع نصف الكرة الغربي فوق سائر المناطق، وأن القبض على مادورو والحشد البحري الأميركي الضخم في الكاريبي يوحيان بأن هذا الطموح ليس مجرد خطاب. لكن إعادة تخصيص هذه الأصول قد تدوم أو لا تدوم. فباستثناء روبيو، لا يبدو أن كثيرين في إدارة ترامب مستثمرون شخصياً في سياسة خارجية من طراز "أميركا أولاً" تتجاوز زيادة التعاون الأمني الإقليمي وتشديد الترحيل.
وعليه، فإن ما سيفعله ترامب تالياً في فنزويلا والكاريبي سيكون بالغ الدلالة. فتدخلاته ستختبر إلى أي مدى تمتد قدرة الولايات المتحدة على تشكيل شؤون نصف الكرة الغربي.
المصدر: فورين آفيرز - Foreign Affairs
الكاتب: غرفة التحرير