الخميس 08 كانون الثاني , 2026 04:15

لبنان في قلب حرب السرديات: الإعلام كساحة صراع حول سلاح المقاومة

مجتمع المقاومة وقنوات إعلامية محلية وعربية

تشهد البيئة الإعلامية في لبنان، في ظل المرحلة الراهنة، تحوّلاً نوعياً يجعل منها ساحة صراع مركزية لا تقل أهمية عن الساحات السياسية والأمنية. فلبنان، بتكوينه الطائفي المتعدد وتاريخه المليء بالأزمات، يعيش اليوم حالة من "حرب السرديات" المفتوحة، حيث تُستخدم المعلومة كسلاح لتوجيه الوعي العام، وتهيئة الرأي العام لتقبّل خيارات سياسية وأمنية حساسة، وعلى رأسها ملف نزع سلاح حزب الله ضمن ما يُعرف بالخطة الأمريكية. وتكتسب هذه المعركة الإعلامية أهمية مضاعفة مع اقتراب الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026، والتي يُنظر إليها بوصفها محطة فاصلة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.

يتميّز المجتمع اللبناني بتنوّع ديني وطائفي حاد، ينعكس بشكل مباشر على طبيعة استهلاك المعلومات وتداولها. فشبكات الإعلام لا تعمل بمعزل عن الانقسامات المذهبية، بل غالباً ما تُعيد إنتاجها وتغذيتها، حيث تميل كل طائفة إلى الاعتماد على مصادر إعلامية تعبّر عن رؤيتها ومصالحها. وإلى جانب العامل الطائفي، يلعب البعد العمري دوراً مؤثراً في تشكيل المشهد الإعلامي، إذ يتجه الشباب بشكل أساسي إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما لا تزال الفئات الأكبر سناً تعتمد على التلفزيون ووسائل الإعلام التقليدية، ما يخلق بيئة معلوماتية معقدة ومتداخلة يصعب ضبطها أو توحيد سرديتها.

في هذا السياق، يترافق الانهيار الاقتصادي الحاد مع تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية والإعلام التقليدي، الأمر الذي يدفع شرائح واسعة من اللبنانيين إلى الاعتماد على مصادر غير رسمية، مثل مجموعات "واتساب" وحسابات المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُعد هذه البيئة الهشّة أرضاً خصبة لانتشار المعلومات المضللة والشائعات، حيث تصبح الحقيقة مسألة نسبية تخضع للانتماء السياسي أو الطائفي أكثر مما تخضع للتحقق الموضوعي.

ويبرز ملف سلاح حزب الله كأحد أكثر القضايا إثارة للانقسام في البيئة الإعلامية اللبنانية. إذ يجري تقديم هذا السلاح، في السرديات المعادية للمقاومة، ليس فقط بوصفه مسألة أمنية، بل باعتباره العقبة الأساسية أمام التعافي الاقتصادي، والحصول على الدعم الدولي، واستعادة "الدولة القوية". وتهدف هذه المقاربة إلى ربط الأزمة المعيشية مباشرة بسلاح المقاومة، بما يسهّل تحميله مسؤولية الانهيار، ويُمهّد نفسياً لتقبّل خيار نزع السلاح كحلّ للأزمة. في المقابل، تُقدَّم هذه الطروحات داخل البيئة الشيعية على أنها امتداد لضغوط خارجية تستهدف إضعاف المقاومة وتجريدها من عناصر قوتها، وهو ما يعمّق الشرخ بين المكونات اللبنانية.

تعتمد الاستراتيجية الإعلامية الداعمة للخطة الأمريكية على جملة من الأدوات والأساليب غير المباشرة، أبرزها دعم ما يُعرف بمنصات "التدقيق في الحقائق" والإعلام "المستقل"، والتي تعمل – وفق هذه الرؤية – على خلق حالة تشكيك دائمة في مصداقية إعلام المقاومة، ولا سيما قناة المنار. ويؤدي هذا النهج إلى استنزاف القاعدة الشعبية للمقاومة، عبر دفعها إلى موقع الدفاع المستمر عن الرواية، بدل المبادرة وصياغة السردية. كما يجري العمل على تمرير الرسائل الأساسية عبر شركاء محليين، لتفادي ظهور الخطة الأمريكية كإملاءات خارجية مباشرة، ما يجعل تسويقها داخلياً أكثر سهولة.

ويلعب العامل الأمني دوراً محورياً في تشكيل بيئة المعلومات، إذ إن أي تحرّك عسكري أو إجراء أمني يتحوّل بسرعة إلى مادة إعلامية قابلة للتوظيف السياسي والطائفي. وقد أظهرت تجارب سابقة كيف يمكن لتسريبات أو أخبار غير مؤكدة أن تشعل موجات غضب واحتجاج، أو أن ترفع منسوب التوتر الداخلي، خاصة في ظل نشاط سيبراني متزايد يستهدف حسابات شخصيات مؤثرة لاستخدامها في بث معلومات مضللة وبث الذعر.

وتتداخل هذه العوامل مع التأثير الخارجي، ولا سيما الأمريكي، الذي يُستحضر باستمرار في السجالات الداخلية. فالدعم الدولي والخطط المقترحة لمعالجة ملف السلاح يُنظر إليها من قبل بعض الأطراف كفرصة لإنقاذ الدولة، بينما يراها آخرون تدخلاً مباشراً في السيادة الوطنية. هذا التباين في التفسير يجعل الجمهور أكثر حساسية تجاه الخطابين المحلي والدولي، ويزيد من صعوبة بناء سردية جامعة.

وتحمل هذه البيئة الإعلامية مخاطر جدّية، في مقدمتها احتمال التصعيد الأمني الداخلي أو الإقليمي في حال جرى التعامل مع ملف السلاح دون توافق وطني واسع. كما أن انتشار الإعلام المتحيز والمعلومات المضللة يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والطائفية، ويقوّض ثقة الجمهور بأي مسار إصلاحي. ويُضاف إلى ذلك خطر الإفراط في الاعتماد على الدعم الخارجي، بما يفتح الباب أمام سرديات تتهم الدولة بالارتهان للخارج، وتُضعف شرعيتها الشعبية.

في المقابل، تتيح هذه المرحلة فرصاً لإعادة تعريف دور الدولة، إذا ما جرى التعامل مع مسألة السلاح بوصفها مشروعاً تواصلياً متدرجاً، يقوم على الشفافية، والمشاركة المجتمعية، وتقديم ضمانات واضحة. كما يمكن لتعزيز الإعلام المستقل الحقيقي، وبرامج التوعية الإعلامية، أن يساهم في رفع منسوب الوعي العام، والحد من تأثير التضليل. وتبرز هنا أهمية الاستثمار في بنية تحتية وطنية للمعلومات، ومنصات تحقق موثوقة، وبرامج تعليم إعلامي، بما يمنح الجمهور أدوات أفضل للتمييز بين الخبر والدعاية.

خلاصة القول، إن المعركة في لبنان لم تعد محصورة بالسلاح والقرارات السياسية، بل انتقلت إلى ميدان الوعي والإدراك العام. فـ"حرب السرديات" هي العامل الحاسم في تحديد مآلات المرحلة المقبلة، ومن ينتصر فيها سيحصد نتائجها في صناديق الاقتراع وفي شكل الدولة ودورها. ومن دون إدارة واعية ومتوازنة لهذه البيئة الإعلامية، ستبقى أي خطة، مهما بدت متكاملة، عرضة للاهتزاز والاختطاف السردي، في بلد اعتاد أن تكون فيه المعلومة سلاحاً لا يقل فتكاً عن أي سلاح آخر.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور