الخميس 08 كانون الثاني , 2026 04:18

الإعلام كأداة صراع: تحليل أداء "الحدث اللبناني" في تغطية الشأن اللبناني

قناة الحدث على منصة اكس

تُعدّ منصة "الحدث اللبناني" التابعة لشبكة العربية السعودية واحدة من أبرز المنصات الرقمية التي تتابع الشأن اللبناني على منصة "إكس"، حيث تُظهر حضورًا كثيفًا وتفاعلًا مستمرًا مع التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية في لبنان. غير أنّ هذا الحضور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الإقليمي الذي تتحرك فيه المنصة، ولا عن السياسة التحريرية التي تحكم اختياراتها الإخبارية وصياغاتها السردية، وهو ما يسعى هذا التقرير إلى تفكيكه وتحليله من خلال رصد الأداء الإعلامي للمنصة خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 18 كانون الأول 2025.

ينطلق هذا التقرير من فرضية أساسية مفادها أنّ أداء "الحدث اللبناني" لا يندرج ضمن إطار التغطية المهنية المحايدة، بل يعكس توجّهًا سياسيًا واضحًا يتقاطع مع السياسات السعودية والغربية المعادية للمقاومة اللبنانية، ويُعيد إنتاج السردية الصهيونية في مقاربة الصراع الدائر على الساحة اللبنانية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هنا، يعتمد التقرير على منهج تحليلي يجمع بين الرصد الكمي للمحتوى المنشور والتحليل النوعي لخطاب المنصة ولغتها واختياراتها التحريرية.

من خلال تتبّع منشورات المنصة، يتبيّن أنّ السياسة التحريرية المعتمدة تقوم على تغييب شبه كامل لأي خطاب وطني لبناني يدين الاعتداءات الصهيونية المتكررة على الأراضي اللبنانية، إذ تكتفي المنصة باستعراض الوقائع الميدانية للاعتداءات، من غارات واغتيالات وتحركات عسكرية، من دون توصيفها بوصفها انتهاكات للسيادة أو خروقات للقانون الدولي. في المقابل، تُفسح المنصة مجالًا واسعًا لبث الرواية الصهيونية كما تَرِد في بيانات جيش الاحتلال أو في وسائل الإعلام العبرية، وغالبًا ما تُقدَّم هذه الرواية في قالب خبري "محايد" ظاهريًا، لكنه يحمل في جوهره انحيازًا سياسيًا واضحًا.

يتجلّى هذا الانحياز أيضًا في اللغة المستخدمة، حيث تعتمد المنصة مصطلحات مثل "إسرائيل" و"الجيش الإسرائيلي" و"قتلى"، بدلًا من توصيف العدو والضحايا وفق المفاهيم الوطنية اللبنانية. كما تُظهر المنشورات ميلًا واضحًا إلى ربط أي نشاط ميداني أو حتى مدني في الجنوب اللبناني أو غيره بالمقاومة، وتحديدًا بحزب الله، حتى في الحالات التي يتبيّن لاحقًا أنها لا تحمل طابعًا عسكريًا، الأمر الذي يعكس تبنّيًا شبه كامل للرواية الأمنية الصهيونية.

ولا يقتصر هذا الأداء على نقل الأخبار، بل يتعدّاه إلى بث معلومات غير مؤكدة أو مفبركة، ذات طابع تحريضي أو تشويهي، كما في ما نُشر حول جمعيات أو مؤسسات يُزعم ارتباطها بحزب الله، أو في إعادة نشر مقاطع مصوّرة قديمة على أنها أحداث راهنة، أو في الاعتماد على "مصادر خاصة" غير معرّفة تنقل عنها المنصة معلومات حساسة من داخل بيئة معادية لها سياسيًا. هذا النمط من النشر يطرح علامات استفهام جدية حول المعايير المهنية المعتمدة، وحول الهدف الحقيقي من ضخ هذا النوع من المحتوى.

ومن اللافت أيضًا أنّ المنصة تُكثر من نشر الأخبار الأمنية المرتبطة بالمقاومة وبالعدوان الصهيوني، مقابل إهمال شبه تام للأخبار السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ذات القيمة التحليلية، إلا إذا كانت تصبّ في تعزيز السردية الأميركية أو الصهيونية، مثل التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث عبرية، أو التسريبات السياسية التي تتحدث عن مبادرات لنزع سلاح المقاومة أو إعادة إدارة الجنوب اللبناني. في هذا السياق، يبدو أنّ المنصة تنتقي مضامينها بعناية لخدمة خطاب سياسي محدد، لا لتقديم صورة متوازنة عن الواقع اللبناني.

ويُضاف إلى ذلك اعتماد المنصة سياسة حجب التعليقات عن غالبية منشوراتها، ما يحرم الجمهور من التفاعل الطبيعي ويمنع بروز أي رأي مضاد أو نقدي، ويحوّل المنصة إلى قناة بث أحادي الاتجاه، تُدار فيها الرسالة الإعلامية بصورة مضبوطة ومؤطرة سلفًا. كما تعتمد المنصة أسلوب نشر الفيديوهات من دون صوت، أو الصور المرفقة بنصوص جاهزة، في محاولة لتعزيز تأثير الرسالة المكتوبة والتحكم بتأويل المحتوى.

وعلى مستوى التحليل الكمي، تكشف الدراسة أنّ نحو نصف المنشورات التي بثتها المنصة خلال الفترة المرصودة تندرج ضمن الأخبار الأمنية المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالعدوان الصهيوني والمقاومة اللبنانية. أما المنشورات السياسية فشكّلت قرابة ربع المحتوى، وغالبها ذو طابع انتقائي يخدم خطابًا معينًا، في حين توزعت النسبة المتبقية على أخبار متفرقة ذات طابع خفيف أو خدماتي، تُستخدم على ما يبدو لكسر حدّة الخطاب السياسي والأمني وإضفاء طابع "شامل" على أداء المنصة.

إنّ هذا التوزيع الكمي والنوعي لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، إذ تتقاطع سياسات المنصة مع الرؤية السعودية التي تعتبر المقاومة اللبنانية جزءًا من "النفوذ الإيراني" في المنطقة، وتسعى إلى تقويض هذا النفوذ عبر أدوات سياسية وإعلامية ناعمة. وفي هذا الإطار، تصبح "الحدث اللبناني" أداة من أدوات الحرب الناعمة التي تستهدف الوعي العام اللبناني، وتسعى إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة بما يتوافق مع الرؤية الغربية، أي سيادة منزوعة من حق المقاومة، ومجرّدة من أولوية الصراع مع العدو الصهيوني.

وتكمن خطورة هذا الأداء في أنّه لا يخاطب جمهورًا سياسيًا صلبًا فحسب، بل يستهدف شريحة واسعة من المتلقين غير المسيّسين، الذين قد يتأثرون بتكرار السردية وتراكم الرسائل الإعلامية، فيغدو العدوان الصهيوني في وعيهم نتيجة "منطقية" لدور المقاومة، لا جريمة موصوفة تستوجب الإدانة والمحاسبة. وهنا يتحوّل الإعلام من ناقل للخبر إلى شريك فعلي في الصراع، يساهم في إعادة تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام.

خلاصة القول إنّ أداء منصة "الحدث اللبناني" خلال الفترة المدروسة يعكس انحيازًا سياسيًا ممنهجًا، ويؤكد أنّها ليست مجرد منصة إخبارية، بل جزء من منظومة إعلامية إقليمية تعمل على تقويض شرعية المقاومة وإعادة إنتاج السردية الصهيونية بلغة إعلامية "ناعمة". وهو ما يفرض، في المقابل، ضرورة تطوير خطاب إعلامي وطني مضاد، وتعزيز أدوات الرصد والمساءلة الإعلامية، بوصف معركة السردية اليوم لا تقل أهمية وخطورة عن المعركة على الأرض.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور