لم تكن الاحتجاجات التي شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ أواخر ديسمبر- كانون الأول 2025 حدثًا داخليًا عفويًا كما حاول الإعلام الغربي والإسرائيلي تصويره، بل جاءت في لحظة مدروسة بعناية، تزامنت مع تصعيد أمريكي–إسرائيلي مباشر في الخطاب السياسي والتهديدات العسكرية والاقتصادية تجاه إيران، ما يؤكد أن ما جرى لم يكن “غضب شارع” فقط، بل محاولة منظمة لتحويل الضغط الاقتصادي إلى انهيار سياسي بالإستعانة بأليات عدة منها أدوات الحرب النفسية والإعلامية.
فمع التلويح الأمريكي بإمكانية إعادة استهداف إيران، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة ضغط قصوى، انعكست في تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم، وهي أدوات لم تكن يومًا مجرد نتائج جانبية للعقوبات، بل جزءًا أصيلًا من منظومة الحرب الهجينة المفروضة على طهران منذ سنوات. غير أن الجديد هذه المرة لم يكن في الأزمة الاقتصادية بحد ذاتها، بل في محاولة توظيفها كرافعة لإحداث تفلت أمني داخلي يمهّد لتدخل خارجي أو لفرض وقائع سياسية جديدة، خاصة وأن "الخلايا النائمة" تنتظر اللحظة المناسبة للتحرك وإثارة الفوضى وهي في حالة استعداد دائم وترقب لمثل هذه الأحداث، هذا بحسب ما نقله مصدر أمني إيراني لموقع الخنادق، مؤكدا أن هذه الخلايا قيد المتابعة الدقيقة والملاحقة المستمرة منذ فترة.
ومنذ الأيام الأولى للاحتجاجات، بدا واضحًا أن المعركة لم تُخَض في الشوارع فقط، بل في العقول والشاشات. فقد جرى تضخيم كل تحرك، وإعادة تدوير مشاهد قديمة، وبث مواد مفبركة أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ضمن حملة اعلامية نفسية هدفت إلى خلق انطباع بأن النظام الإيراني يقف على "حافة الانهيار"، وأن سقوطه مسألة وقت لا أكثر. هذه ليست قراءة تحليلية لاحقة، بل" واقع خيالي" تؤكده كثافة الخطاب الإسرائيلي والأمريكي المتزامن مع تطورات الداخل الإيراني، وهو خطاب ليس بريئًا أو ارتجاليًا أبداً.
تلعب إسرائيل في هذه المعركة دور القائد الميداني للحرب النفسية، لا المتفرج. فتصريحات بنيامين نتنياهو، التي قُدّمت إعلاميًا على أنها دعم “لحرية الإيرانيين”، لم تكن سوى رسائل نفسية موجهة بدقة: للشارع الإيراني من جهة، وللنخبة الحاكمة والأجهزة الأمنية من جهة أخرى. حديث رئيس حكومة العدو المتكرر عن أن “التغيير سيأتي من الداخل” هو تكتيك معروف في أدبيات الحرب النفسية؛ ينفي التدخل العسكري المباشر ظاهريًا، لكنه يضفي شرعية دولية على الفوضى الداخلية، ويزرع الشك داخل مؤسسات الدولة.
أما انتقال وزراء الإئتلاف في إسرائيل إلى مخاطبة الإيرانيين بالفارسية، مرفقين خطابهم برموز الإعدام والحرق والإهانة المباشرة للسيد علي ال، فهو تعبير فج عن مستوى الانحدار الذي بلغته الحملة. هذا النوع من التحريض لا يستهدف الشارع بقدر ما يسعى إلى كسر الرمزية السيادية والدينية للنظام، ودفعه إلى ردود فعل قمعية تُستثمر لاحقًا إعلاميًا لتأليب الرأي العام الدولي.
في الفضاء الرقمي، تحولت الحسابات الإسرائيلية الرسمية بالفارسية إلى أدوات حرب نفسية متقدمة، استخدمت رموز ما إيرانية قبل الثورة الإسلامية، ومفردات “التحرير” و”الظلام” و”النور”، في محاولة لإعادة تعريف الهوية الإيرانية نفسها، وكأن الجمهورية الإسلامية كيان طارئ اختطف “إيران الحقيقية”. هذه ليست معركة سرديات فحسب، بل محاولة لإعادة هندسة الوعي الجمعي الإيراني والعربي، وفصل الأجيال الجديدة عن الدولة التي يعيشون في ظلها.
الأخطر من ذلك كان الإيحاء المتكرر بوجود اختراق استخباري داخل إيران، عبر حسابات محسوبة على أجهزة أمنية إسرائيلية والمتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي باللغة الفارسية، حيث عملت هذه الفرق على الترويج لفكرة "أننا ليس بعيدون عنكم، بل حاضرون معكم في الميدان". وحتى لو كانت هذه الادعاءات فارغة، فإن مفعولها النفسي يتحقق بمجرد بثها: زرع الشك في الشعب الإيراني وقيادته، إضعاف الثقة، ودفع الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى استنزاف داخلي.
الولايات المتحدة، من جهتها، أدارت المعركة من الخلف، بأسلوب الضغط طويل الأمد. تصريحات دونالد ترامب الغامضة عن “الاستعداد للإنقاذ” لم تكن موجهة لطهران فقط، بل للشارع الإيراني، في محاولة لإقناعه بأن هناك مظلة دولية جاهزة إذا ما ذهب بعيدًا في المواجهة. كما ان الإعلام الغربي لعب الدور المكمل، عبر تصوير الاحتجاجات كثورة شاملة، متجاهلًا الطبيعة المحدودة للتحركات، ومضخمًا مشاهد القمع، بل ومروّجًا لروايات مثيرة للشك مثل تقارير عن استعداد القيادة الإيرانية للهروب، دون أن ننسى إعلان أيلون ماسك السماح "للمتظاهرين الإيرانيين" بالوصول الى شبكة ستارلينك بشكل مجاني، وهذا الإجراء يأتي في سياق المزاعم التي يبثها الغرب حول قمع طهران للمتظاهرين في التعبير عن حريتهم.
إلى جانب ذلك، نشطت أدوات الحرب الإعلامية الإقليمية والعالمية، وعلى رأسها قنوات بي بي سي بالفارسية، العربية، الحدث، إيران إنترناشيونال وسكاي نيوز..، في بث متواصل يضخم الأعداد ويستحضر لغة “الانتفاضة” و”السقوط الوشيك”، في محاولة لخلق زخم نفسي لا يستند إلى واقع ميداني فعلي.
بدوره رصد فريق موقع الخنادق منصات خليجية غير مباشرة (منصات مقرها السعودية تحديدا) ، ذات طابع سياسي– منوعات ( منصة أحداث العالم – أحداث الشرق الأوسط...)، تلعب دورًا خطيرًا في نشر الشائعات وكسر الرواية الرسمية الإيرانية وتبني الرواية الاسرائيلية، ضمن عمل منسق يصعب فصله عن السياق الإقليمي للصراع مع إيران.
ورغم هذا الحشد غير المسبوق، تكشف الحصيلة الواقعية فشلًا واضحًا للحرب النفسية في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فالاحتجاجات، على اتساعها الجغرافي، بقيت محدودة من حيث الكتلة الشعبية الفاعلة، ولم تنجح في شل مفاصل الدولة أو دفع قطاعات حيوية، كقطاع النفط والطاقة، إلى الانخراط في عصيان منظم. الأهم أن الغضب الاقتصادي، على شدته، لم يتحول إلى مشروع سياسي إسقاطي، وبقي في إطار التعبير الاحتجاجي الإصلاحي لا التحدي البنيوي.
كما أن التدخل الخارجي العلني، بدل أن يسرّع الانهيار، نفّر شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، بما في ذلك فئات متضررة اقتصاديًا لكنها مؤمنة ومتمسكة بالنظام الحالي، ولا تريد الفوضى وتكرار سيناريوهات الانهيار.
أما المعارضة الخارجية، من مجاهدي خلق إلى رضا بهلوي، فرغم جهودهم الإعلامية وصرفهم لأموال طائلة في الشق الإعلامي، أثبتوا مجددًا انفصالهم العميق عن الداخل الايراني، وعجزهم عن التحول إلى بديل مقنع أو قيادة حقيقية.
في المقابل، أظهر النظام الإيراني تماسكًا أمنيًا واستخباريًا لافتًا، من خلال إدارة محسوبة للاحتجاجات، وانتشار سريع للقوات، وتفكيك شبكات التحريض دون الانزلاق إلى عنف شامل كان سيخدم خصومه. هذا الأداء، بغض النظر عن الموقف السياسي منه، شكّل عامل إحباط رئيسي للحملة الخارجية التي راهنت على تفلت أمني واسع يمهّد لتدويل الأزمة واستغلالها عسكرياً.
الكاتب: غرفة التحرير