تشهد البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط تحوّلات بنيوية متسارعة أعادت صياغة مفاهيم الأمن والتحالفات، ودفعت "إسرائيل" إلى إعادة تعريف استراتيجيتها الأمنية خارج الإطار التقليدي القائم على الردع والدفاع داخل الحدود. فقد انتقلت المقاربة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج هجومي - تحالفي يسعى إلى إعادة هندسة البيئة الجيوسياسية المحيطة، عبر توسيع نطاق ما تعتبره "مجالاتها الحيوية" ليشمل شرق المتوسط، البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وربط أمنها القومي بالتحكم بالممرات البحرية، والطاقة، وشبكات النفوذ الإقليمي. ويعكس هذا التحول إدراكًا إسرائيليًا متزايدًا بأن التهديدات لم تعد محصورة بجبهات عسكرية مباشرة، بل باتت ناتجة عن توازنات إقليمية متغيرة وصعود قوى منافسة إقليميًا ودوليًا.
في هذا السياق، برز ما يمكن تسميته بـ "التحالف الإقليمي الإسرائيلي" بوصفه شبكة مرنة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية، لا تقوم على إطار مؤسسي جامع، بل على تداخل المصالح الأمنية، الاستخباراتية والاقتصادية. تضم هذه الشبكة دولًا معترفًا بها دوليًا مثل الإمارات واليونان وقبرص وإثيوبيا، إلى جانب فاعلين غير دولتيين وكيانات انفصالية كالمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وأرض الصومال، فضلًا عن علاقات وظيفية مع قوى محلية في السودان والأقاليم الكردية. ويمنح هذا النموذج الكيان قدرة عالية على المناورة والتكيّف، مع تقليل كلفة الانخراط العسكري المباشر والاحتفاظ بهوامش إنكار سياسي مرنة. يُستخدم هذا التحالف، وظيفيًا، كأداة لتطويق والحد من نفوذ قوى إقليمية مركزية ولا سيما إيران، تركيا، مصر، والسعودية، من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة، عبر نقل الصراع إلى الأطراف الجغرافية الحساسة. كما يرتبط هذا التوجّه بتداعيات حرب غزة، التي كشفت حدود فعالية منظومات الردع التقليدية، ودفعت صناع القرار في تل أبيب إلى اعتماد استراتيجيات احتواء متقدّم، تقوم على بناء نقاط ارتكاز خارجية وشبكات نفوذ ممتدة، بما يخدم أهدافًا أمنية وجيوسياسية طويلة الأمد.
وفي هذه الورقة، عرض لطبيعة التحالف الإقليمي الصهيوني الذي بدأ يتشكّل في المنطقة، وذلك بالتطرق إلى أبرز العناوين المتعلقة بمساراته، دوافعه وأهدافه، كما حجم التعاون بين أطرافه، والتحديات التي يواجهها بالإضافة إلى مخاطره على دول المنطقة وشعوبها.
لتحميل الدراسة من هنا