الثلاثاء 13 كانون الثاني , 2026 09:37

اللجنة العسكرية العليا: باب آخر لصراع مفتوح في الجنوب اليمني؟

يشهد الجنوب اليمني تحوّلاً نوعياً في بنيته السياسية والعسكرية، مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي في عدن، رشاد العليمي، تشكيل "اللجنة العسكرية العليا" تحت قيادة قوات التحالف، بالتوازي مع حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه وإلغاء كامل هياكله. هذه الخطوات، المتسارعة والمتداخلة، يمكن قراءتها بوصفها باعتبارها إعادة صياغة قسرية للمشهد الجنوبي، تقف خلفها حسابات إقليمية.

إعلان العليمي جاء محمّلاً برسائل سياسية  تقوم على تثبيت واقع ميداني جديد في المحافظات الجنوبية، ونقل مركز القرار العسكري إلى إطار تقوده قيادة التحالف مباشرة. فالتأكيد على "نجاح عملية استلام المعسكرات" في حضرموت والمهرة وعدن وبقية المحافظات "المحررة" من قوات المجلس الانتقالي، يعني عمليا إنهاء مرحلة الشراكة القلقة مع التشكيلات الجنوبية المدعومة إماراتياً، واستبدالها بهيكل عسكري موحّد تديره السعودية. اللجنة العسكرية العليا، وفق ما أُعلن، ستكون ككيان يتولى إعداد وتجهيز وقيادة مختلف التشكيلات، استعداداً لما وُصف بـ"المرحلة المقبلة"، وهو توصيف فضفاض يفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية وسياسية متعددة.

هذا التحوّل لم يكن ممكناً دون إنهاء الإطار السياسي الذي شكّل المظلّة لتلك التشكيلات. حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، كما ورد في بيانه، عكس اعترافاً صريحاً بفشله في تحقيق أهدافه المعلنة، وبعجزه عن الإمساك بالقرار العسكري، ولا سيما بعد العمليات التي استهدفت المهرة وحضرموت من دون مشاركته، والتي اعتبرها المجلس نفسه سبباً في تفكك الصف الجنوبي وتوتير العلاقة مع التحالف. غير أن هذا "الحل الطوعي" لا يمكن فصله عن ضغط سعودي مباشر، سعى إلى تفكيك النفوذ الإماراتي في الجنوب وإعادة توزيع الولاءات داخل القوى المحلية.

الرياض، التي دفعت باتجاه هذا المسار، تبدو حذرة من فراغ سياسي أو أمني قد تستثمره أبو ظبي للعودة من نافذة أخرى. ورغم نجاحها في إخراج عيدروس الزبيدي من المشهد الجنوبي المباشر، عبر تهريبه إلى أبو ظبي بحسب ما أعلن التحالف، إلا أن المؤشرات اللاحقة أظهرت أن الإمارات لم تُسلّم بالكامل بخسارتها. الدعوات المنسوبة إلى "الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي" لتنظيم تظاهرات في عدن والمكلا، والمطالبة بانفصال الجنوب وتجديد التفويض للزبيدي، تعكس محاولة لاستخدام الرمز السياسي بدل البنية التنظيمية المنحلّة. وبالتالي اعادة بث الروح بكيانات أخرى يمكن أن تستثمر فيها الامارات مجدداً.

في المقابل، تتحرك السعودية ميدانياً لضمان السيطرة على الأرض. انتشار قوات "درع الوطن" في عدن، والتنسيق الوثيق مع فصائل "العمالقة" بقيادة أبو زرعة المحرمي، وتكليف هذه الفصائل بحماية المؤسسات، إلى جانب تفعيل عمل "جهاز مكافحة الإرهاب"، كلها خطوات تهدف إلى تثبيت معادلة أمنية جديدة تقلّص هامش أي تحرك خارج "مظلّة الدولة"، كما تصفه وسائل إعلام سعودية. هذا الحذر الميداني يعكس قلقاً واضحاً من عودة إماراتية غير مباشرة، سواء عبر الشارع أو عبر شبكات النفوذ السابقة.

على الضفة الأخرى، جاء موقف صنعاء حاداً ومباشراً. فقد اعتبرت أن تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة التحالف يمثّل "خيانة عظمى" للدستور ولوحدة وسيادة اليمن، ورأت فيه تفريطاً صريحاً بالأمن والاستقرار، يستوجب محاسبة العليمي وكل من يسانده. هذا الموقف لا ينفصل عن قراءة صنعاء للخطوة بوصفها تكريساً لوصاية خارجية على القرار العسكري، ونقلاً رسمياً للسيادة إلى يد التحالف، في لحظة إقليمية حرجة.

يدخل الجنوب اليمني مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتقاطع فيها الرغبة السعودية في توحيد القرار العسكري وإقصاء النفوذ الإماراتي، مع محاولات أبو ظبي الحفاظ على موطئ قدم سياسي ومعنوي، ومع رفض صنعاء لأي ترتيبات تُدار من خارج الإطار السيادي. وبين هذه الخطوط المتشابكة، تبدو "اللجنة العسكرية العليا" أكثر من مجرد كيان تنظيمي، إنما عنوان لصراع نفوذ مفتوح، لم تُحسم نتائجه بعد، وقد يكون الجنوب ساحته الأبرز في المرحلة المقبلة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور