الثلاثاء 13 كانون الثاني , 2026 04:01

ملايين الإيرانيين في الشوارع.. رسالة دعم للنظام وإسقاط لرهانات الفوضى

المظاهرات المؤيدة للنظام في إيران

شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية صباح الاثنين حراكاً شعبياً واسعاً اتخذ طابعاً مليونيا في مختلف المدن والمحافظات، في مشهدٍ أراد الإيرانيون من خلاله إرسال رسالة واضحة مفادها أن الشارع لا يقف على الحياد في لحظات التوتر، وأن خيار الاستقرار وحماية الدولة ما يزال يتقدّم على محاولات زعزعة الداخل. فمن طهران إلى أصفهان وسائر المناطق، خرجت جموع حاشدة تنديداً بأفعال مثيري الشغب والإرهابيين المسلحين، مؤكدةً رفضها لأعمال التخريب التي استهدفت الممتلكات العامة والخاصة والأماكن الدينية، ومعلنة دعمها للنظام ومؤسساته في مواجهة أي مسار يستهدف الأمن الوطني.

المشهد في العاصمة طهران كان لافتًا من حيث الحجم والرسائل السياسية التي رافقته. فقد تجمّع الأهالي في الساحات العامة، رافعين صور قائد الثورة الإسلامية والأعلام الإيرانية، مرددين شعارات ترفض العنف وتدين عمليات التخريب، وتؤكد الوقوف إلى جانب القيادة والنظام الإسلامي. وفي سياقٍ متصل، شهدت بعض المدن مراسم تشييع لشهداء الأحداث الأخيرة تزامنًا مع المسيرات، وهو ما أضفى على التجمّعات بعداً رمزياً، إذ لم تقتصر على التعبير السياسي، بل تحولت أيضًا إلى مساحة للتضامن مع ضحايا المواجهات والاضطرابات، وإلى تأكيد أن الأمن بالنسبة لكثير من الإيرانيين ليس ملفاً إدارياً عابراً، بل قضية تمس معنى الدولة ووحدة المجتمع.

اللافت في هذه المسيرات أنها لم تقدّم بوصفها حدثاً منفصلاً عن سياقه، بل جاءت كجزء من ردٍّ شعبي ورسمي على ما تصفه طهران بأنه استهداف منظم تقف وراءه أطراف خارجية. فالمشاركون عبّروا، وفق ما تردد في الشعارات، عن عداء واضح للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وربطوا بين الاضطرابات وبين تدخلات تستهدف ضرب الاستقرار الداخلي. وفي مدينة أصفهان تحديداً، برز حضور جماهيري كبير في مسيرات ضد أعمال الشغب والإرهاب، حيث تعالت الهتافات التي تؤكد مبادئ الثورة والوحدة الوطنية، إلى جانب شعارات تهاجم واشنطن وتل أبيب وتحمّلهما مسؤولية ما تعتبره طهران أعمالاً إرهابية أدت إلى سقوط شهداء من عناصر الأمن.

هذا الحراك الشعبي تزامن مع موقف حكومي رسمي، أعلن حداداً عاماً لمدة ثلاثة أيام على شهداء ما سُمّي "معركة المقاومة الوطنية للإيرانيين في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني". وفي بيانٍ صدر عن الحكومة، جرى توصيف ما حدث على أنه هجوم استهدف قوات التعبئة "البسيج" وقوات الشرطة بأساليب شُبّهت بممارسات تنظيم داعش، معتبراً أن هذا العنف لا يشبه سوى سلوك الجماعات الإرهابية التي نشأت بدعم أمريكي. وهو توصيف يعكس طبيعة القراءة الإيرانية للأحداث، حيث يجري دمج الأمني بالسياسي، وربط ما يجري داخل الحدود بالسجال الإقليمي الأكبر بين إيران وخصومها.

في خضم هذا المشهد، جاءت رسالة السيد علي الخامنئي لتمنح المسيرات معناها السياسي العميق، وتحوّلها من حدثٍ ميداني إلى عنوانٍ استراتيجي في خطاب الدولة. فقد أشاد الخامنئي بما وصفه "عملاً عظيماً" أنجزه الشعب الإيراني، مؤكداً أن هذه الحشود الغفيرة "سطّرت يوماً تاريخياً" وأبطلت مخططات الأعداء الأجانب التي كان من المقرر تنفيذها على أيدي المرتزقة في الداخل. وفي رسالته، بدا واضحاً أن القيادة الإيرانية تقرأ التجمعات باعتبارها فعلاً دفاعياً عن الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، لا مجرد تظاهرات عاطفية أو ظرفية، إذ اعتبر أن الشعب استعرض ذاته وعزيمته وهويته في وجه الأعداء، موجّهاً تحذيراً مباشراً لساسة أمريكا كي يضعوا حدّاً لما سماه الخداع، وألا يراهنوا على "المرتزقة الخونة".

لغة الخامنئي جاءت مركّزة على مفاهيم القوة والوعي والحضور الدائم، حين شدّد على أن الشعب الإيراني "قوي ومقتدر، واعٍ ويعرف عدوه، وحاضر في الساحة في كل حال". وهذه العبارات تعكس ثنائية أساسية في الخطاب الإيراني: أولها أن الصراع لا يُختزل في مواجهة أمنية مع مجموعات عنف داخلية، بل يرتبط بمواجهة سياسية مع الخارج، وثانيها أن الضمانة الأهم لاستمرار الدولة ليست فقط الأجهزة والمؤسسات، بل الشارع الذي يُستدعى في لحظات الأزمة ليقدّم "شهادة حضور" تعزز شرعية النظام وتماسكه.

إلى جانب رسالة قائد الثورة، وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة مطوّلة للشعب عقب هذه التظاهرات، واضعًا الحشود في إطار "رد ساحق" على مخططات الأعداء الخبيثة. وحرص بزشكيان على مخاطبة الإيرانيين بلغة وجدانية تحمل التقدير والفخر، حين قال: "يا شعب إيران العظيم والنبيل، أحيّي عظمة إرادتكم القوية وحضوركم الثابت"، مؤكداً أن التجمع المهيب أظهر يقظة ومسؤولية غير مسبوقتين في حماية المُثل الدينية والوطنية وإظهار القوة الوطنية في مواجهة "العدو الظالم والإرهابيين التابعين له". بهذا المعنى، قدّم الرئيس المسيرات باعتبارها تعبيرًا عن هوية وطنية جامعة لا مجرد اصطفاف سياسي.

وتوقّف بزشكيان عند نقطة بالغة الدلالة حين قال إن هذا الحضور "أحبط مكائد من يحرضون على الحقد" وبرهن على العزم الوطني وعلى حماية هوية البلاد، ثم عاد ليؤكد أن مستوى اليقظة والنضج الوطني متجذر في حضارة عظيمة عجز الأعداء عن فهمها. كما أشار إلى أن الخلافات تلاشت في هذا التجمع لصالح المصالح الوطنية ووحدة الأراضي، معتبراً أن "إيران الموحدة" قدمت رداً ساحقاً على المخططات الخبيثة لأعدائها ومرتزقتها. وفي خاتمة رسالته، جدّد تعازيه لأسر الشهداء والضحايا، معبّراً عن الامتنان للشعب الإيراني.

تكشف هذه الرسائل، إلى جانب مشهد الشارع، أن إيران تتعامل مع ما جرى بوصفه معركة إرادات: إرادة تهدف إلى تثبيت النظام وتحصين الدولة من الداخل، في مواجهة إرادة أخرى تسعى لإحداث شرخ مجتمعي وأمني عبر بوابة الاضطرابات. وبينما يقرأ خصوم طهران أي احتجاج داخلي بوصفه فرصة لإضعافها، تسعى القيادة الإيرانية إلى تحويل التجمّعات المؤيدة إلى دليل على القدرة على الصمود واستعادة المبادرة. وفي ظل توتر داخلي وإقليمي متصاعد، تبدو هذه المسيرات، ورسائل السيد الخامنئي وبزشكيان، كأنها إعلان سياسي مزدوج: أولًا، أن الشارع حاضر في معادلة القوة، وثانيًا، أن الدولة تريد إغلاق الباب أمام أي رهان خارجي على تفكيك الداخل الإيراني.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور