في شرق أوسط متشابك كشبكة أنابيب الغاز، لم تعد المصائر الكبرى تُحسم في ساحات المعارك التقليدية، بل باتت تتحدد عبر خطوط الطاقة التي تمتد فوق الأرض وتحت البحار، وتصل بين مصافي النفط والغاز في الخليج العربي وأسواق أوروبا وآسيا. إن فهم مستقبل المنطقة، وما إذا كانت تتجه نحو الاستقرار أو الصراع، لم يعد حكرًا على قراءة موازين القوة العسكرية، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على التحكم بخطوط الغاز والنفط، والموانئ، وشبكات الربط بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب.
منذ اكتشاف احتياطيات الغاز في شرق المتوسط، برزت "إسرائيل" وقبرص ومصر كلاعبين رئيسيين في هذه المعادلة الجيو-اقتصادية. فقد شرعت كل دولة في بناء بنية تحتية تهدف إلى ربط إنتاجها بمحطات التسييل أو بخطوط أنابيب تمر عبر أراضي حلفائها، في إطار استراتيجيات طويلة المدى للتحكم بالمصادر الحيوية للطاقة. وفي هذا السياق، تحوّل الغاز إلى أداة ضغط سياسي ودبلوماسي بامتياز، وهو ما برز بوضوح بعد اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، حين تحوّلت بدائل الغاز الروسي إلى ورقة نفوذ جيوسياسي أعادت ترتيب أولويات أوروبا وشركائها في شرق المتوسط. وقد أثبتت تلك المرحلة أن أي تهديد أو تعطيل لمسارات الطاقة قادر على إحداث اضطراب عالمي واسع من دون إطلاق رصاصة واحدة.
تُظهر مشاريع مثل خطوط الغاز الممتدة من الشرق إلى الغرب، والمبادرات المتوسّطية العربية–الإسرائيلية، كيف يمكن لخط أنابيب أو ميناء بحري أن يعيد رسم موازين القوى الإقليمية. فـ"إسرائيل"، على سبيل المثال، لم تعد تُقدَّم كدولة صغيرة على هامش الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل كمرتكز إقليمي للطاقة، يمتلك القدرة على توظيف الغاز في بناء تحالفات جديدة مع مصر والأردن والإمارات، وربط صادراته بالأسواق الأوروبية بعيدًا عن المنافسين التقليديين. في المقابل، تواجه دول مثل لبنان وسوريا خطر التهميش الاستراتيجي، إذ تُرسم خطوط الطاقة الكبرى من حولها لا عبر أراضيها، ما يقلّص من نفوذها ويضعها في موقع ضعيف داخل أي معادلة دولية تتعلق بالطاقة.
ضمن هذا المشهد، لا تبدو غزة وسيناء مجرد مناطق متأثرة بالصراعات العسكرية، بل تتحولان إلى عقد جغرافية حساسة في معادلات نقل الطاقة والممرات التجارية. كما أن الحديث عن مشاريع ممرات بديلة لقناة السويس، مثل مشروع قناة بن غوريون، لا يندرج في إطار التجارة فقط، بل يتقاطع مباشرة مع خطوط الغاز والنفط، ويمنح إسرائيل، نظريًا على الأقل، قدرة إضافية على التحكم بالحركة الاقتصادية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. هنا تتداخل المصالح الاقتصادية بالسياسة الخارجية، وتتحول الجغرافيا من عامل ثابت إلى أداة ضغط قابلة للتوظيف في لحظات الصراع.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن دور القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. فمشروع "طريق الحرير" الصيني، إلى جانب محاولات روسيا توسيع شبكات تصدير الغاز نحو أوروبا، يعيدان تثبيت الشرق الأوسط كمحور تنافس عالمي غير تقليدي. في هذا السياق، يتحول كل أنبوب، وكل ميناء، وكل خط شحن بحري إلى أداة نفوذ. الهدف لم يعد احتلال الأرض مباشرة، بل التحكم في تدفق الطاقة، وضبط إيقاع الأسواق، واستخدام البنية التحتية كوسيلة ردع غير عسكرية. وغالبًا ما تعكس الأزمات الاقتصادية العالمية، مثل تقلبات أسعار النفط والغاز، ضغوطًا تُمارس على هذه الشبكات أكثر مما تعكس نتائج حروب تقليدية.
في الأفق القريب، يبدو أن الحروب الكبرى لن تُخاض بالدبابات والمدرعات، بل بالتحكم بالبنى التحتية للطاقة، وإدارة خطوط التجارة، وفرض شروط النفوذ على الدول التي تمر عبرها هذه الشبكات. سيغدو الغاز والنفط أدوات استراتيجية للضغط والدبلوماسية القسرية، حيث يمكن لتهديد محدود لخط أنابيب أو لميناء بحري أن يشل اقتصادات بأكملها، ويفرض إعادة ترتيب واسعة للتحالفات الدولية، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ختامًا، لا يمكن فهم الشرق الأوسط المعاصر بمعزل عن الجغرافيا والغاز معًا. فقراءة مواقع الدول، وامتداد موانئها، ومسارات الأنابيب العابرة للحدود، تفسّر لماذا تتصاعد الصراعات في مناطق بعينها، ولماذا تتشكّل تحالفات جديدة، ولماذا قد تُعاد صياغة خرائط النفوذ في السنوات المقبلة. في عالم تحكمه الطاقة، لن يكون الرابح من يمتلك الجيش الأكبر، بل من يسيطر على شبكة الطاقة العالمية، ويحوّل خطوط الغاز والنفط إلى أدوات قوة استراتيجية لا تقل فاعلية عن أي قوة تقليدية على الأرض.
الكاتب: خليل القاضي