الأربعاء 14 كانون الثاني , 2026 04:06

حرب الإدراك في إيران: حين تتحول الاحتجاجات إلى ساحة صراع دولي

علم إيران وقبضات مؤيدة للنظام

أعادت الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران فتح باب الصراع السياسي والإعلامي على مصراعيه، ليس فقط داخل البلاد، بل على مستوى الإقليم والعالم، إذ تعاملت الولايات المتحدة و"إسرائيل" مع هذه الأحداث بوصفها فرصة ثمينة لتشديد الضغوط على النظام الإيراني، ورفع سقف التهديدات العلنية ضده. فبموازاة الحديث الغربي عن "دعم المتظاهرين"، ظهرت مقاربة أكثر وضوحًا تعتمد على استخدام الاحتجاجات كوسيلة لإضعاف الدولة من الداخل، عبر تهديد مباشر بعدوان عسكري إذا ما قامت القوى الأمنية بتعامل حازم أدى إلى سقوط قتلى بين المحتجين. هذا التهديد ينسجم مع منطق "السلام عبر القوة" الذي يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي يتعامل مع فرض الشروط بالقوة بوصفه طريقًا لانتزاع تنازلات سياسية كبرى، لا سيما على مستوى البرنامج النووي والصواريخ والسياسات الإقليمية الداعمة لحركات المقاومة.

ومن منظور هذه المقاربة، لم تعد المواجهة مقتصرة على العقوبات الاقتصادية التي أعيد توقيعها ضد طهران، بل باتت تشمل مزيجًا من الضغط النفسي والدعاية الإعلامية وإدارة الاضطراب الداخلي، بما يندرج ضمن ما يُعرف بـ"الحرب الإدراكية"، التي تستهدف الوعي العام والروح المعنوية للمجتمع ومؤسسات الدولة، تمهيدًا لفرض واقع سياسي جديد. وفي قلب هذه الحرب، يظهر ملف الإنترنت بوصفه أداة مركزية، حيث برزت فكرة فتح الإنترنت الفضائي عبر "ستارلينك" لتسهيل تدفق المحتوى الإعلامي الموجه، وتمكين المنصات المعادية من بث صور ومشاهد تدعم خطابها حول "القمع"، وتدفع الشارع نحو التصعيد، وتخلق حالة من عدم اليقين والارتباك، بما يخدم هدف إنهاك الدولة قبل أي خطوة عسكرية محتملة.

في المقابل، اعتمدت الحكومة الإيرانية استراتيجية يمكن وصفها بـ"الاحتواء المرن"، تقوم على الجمع بين الاستجابة الاقتصادية لبعض المطالب الاجتماعية من جهة، وتشديد الإجراءات الأمنية لحماية المراكز الحيوية من جهة أخرى. وقد تجلت هذه الاستراتيجية في خطوات عملية، مثل تغيير محافظ البنك المركزي وتعيين عبد الناصر همتي بديلًا لمحمد رضا فرزين، مع وعود باستعادة التوازن النقدي ومعالجة ظاهرة تعدد أسعار الصرف ومكافحة الريعية. كما اتخذت الحكومة إجراءات أخرى تشمل حل مصرفين متهمين بالمساهمة في الخلل والغلاء، والتلويح بزيادة الرواتب وتقديم إعفاءات ضريبية ورفع الدعم، في محاولة لامتصاص الغضب الاجتماعي وتخفيف الضغط المعيشي.

وبالتوازي مع الإجراءات الاقتصادية، كشفت السلطات الإيرانية أنها تنظر إلى التوتر الداخلي ضمن سياق أمني أشمل مرتبط بالتحديات الدولية، ولذلك اتخذت إجراءات وقائية لحماية العاصمة والمنشآت الحساسة، خصوصًا بعد استخلاص العبر من تجارب المواجهات السابقة. وتضمنت هذه الإجراءات تعزيز منظومات الرصد وإغلاق بعض المنافذ الجوية بوسائل تكنولوجية وصاروخية، وتثبيت رادارات في الممرات الجبلية لسد الثغرات المؤدية إلى المراكز الحيوية، إضافة إلى تشديد الحماية على المطارات والموانئ ومواقع إطلاق الصواريخ ومراكز الأبحاث والمنشآت النووية. وفي هذا الإطار، يصبح واضحًا أن الدولة لا تتعامل مع الاحتجاجات بوصفها حدثًا داخليًا محضًا، بل بوصفها ساحة مواجهة متصلة بملفات الحرب الهجينة والاختراقات الخارجية.

وتتعدد التصورات الغربية لمآلات ما يجري في إيران بين من يتوقع أن تنجح السلطات في احتواء الاحتجاجات، وبين من يرى أن هذه التطورات قد تدفع النظام إلى تغيير سلوكه السياسي والدخول في تفاهمات جديدة وفق الشروط الأميركية، وصولًا إلى سيناريو بالغ الخطورة يقوم على احتمالية عدوان مباشر يستهدف البنى التحتية والمؤسسات الحيوية. وبين هذه السيناريوهات، تبرز أيضًا مقاربة تراهن على إبقاء إيران تحت ضغط العقوبات والفوضى الداخلية، واستثمار الإعلام والمنصات الرقمية في تأجيج الانقسام وتشجيع الاضطرابات، بالتوازي مع تفعيل شبكات استخبارية لإشعال الفتن من الداخل.

ومن النماذج التي تكشف طبيعة التفكير السياسي الغربي، يظهر طرح يقوم على أن إدارة ترامب لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى "تطويعه" وإجباره على التكيّف مع متطلبات السياسة الأميركية، في صورة تشبه ما جرى مع فنزويلا، حيث تم الوصول إلى تفاهمات مرتبطة بالنفط والتموضع الدولي. ووفق هذه الرؤية، فإن الهدف لا يكمن في تغيير النظام بقدر ما يكمن في إعادة تشكيله سياسيًا وإقليميًا، وتحويله إلى نسخة قابلة للتعامل ضمن موازين القوى الأميركية.

أما السيناريو العسكري الذي يجري التلويح به، فيُطرح غالبًا ضمن تصور مختلف عن حروب الاحتلال التقليدية، إذ يُرجح أن يركز أي عمل عسكري محتمل على استهداف قوات الأمن والشرطة والباسيج والحرس الثوري، باعتبارها القوى التي تواجه الاحتجاجات ميدانيًا، مع استبعاد فكرة إنزال قوات أميركية إلى الداخل الإيراني. وهنا، يتداخل العامل الأمني مع العامل الإعلامي، لأن إظهار "صور القمع" يصبح مادة لازمة لتبرير التهديدات أو التدخل، وهو ما يفسر الصراع على الإنترنت باعتباره "بوابة الصورة" ووسيلة التحكم بالرواية.

وفي هذا السياق، جاء قرار السلطات الإيرانية إغلاق الإنترنت أو تقييده لدواعٍ أمنية، بعدما توسعت الاحتجاجات وتجاوزت المطالب الاقتصادية، وبدأت تدار عبر شبكات التواصل بين الداخل والخارج. وترى طهران أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة لتوجيه الفوضى وإضعاف الشرعية عبر بث مقاطع مزيفة وأخبار مكذوبة، بما يندرج ضمن الحرب الإدراكية التي تضرب العقول قبل أن تضرب الجبهات. وقد ازدحمت المنصات مثل "إكس" و"فيسبوك" بمنشورات تحمل روايات عن حرق ضريح الإمام الخميني أو عن فرار القيادة أو عن مشاهد اعتداء واسعة على المتظاهرين، وهي أخبار تجد بيئة خصبة للانتشار خصوصًا لدى فئات شبابية لم تعايش تاريخ الصراع الإيراني ضد النظام الملكي، إضافة إلى الشرائح التي تعيش ضغطًا اقتصاديًا يجعلها أكثر قابلية لتصديق أي سردية تزيد الإحباط وتغذي الغضب.

ولتعويض غياب التوثيق الحقيقي نتيجة قطع الإنترنت، لجأت حسابات عديدة إلى إعادة نشر مقاطع قديمة والترويج لها على أنها جديدة، أو إلى استخدام مشاهد مصنوعة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد صادمة تعبويًا. وفي حالات عدة، أظهرت محاولات التحقق أن بعض المقاطع مصوّر خارج إيران أصلًا، أو يعود إلى أحداث سابقة، بينما تظهر نسخ متعددة للمشهد نفسه بتركيبات مختلفة، ما يكشف طبيعة التضليل المقصود.

في النهاية، يمكن القول إن النظام الإيراني يحاول إدارة الأزمة عبر معادلة مزدوجة تقوم على الاستجابة الاقتصادية لمنع الانفجار الاجتماعي، وفي الوقت نفسه مواجهة التوظيف الخارجي للاحتجاجات الذي يسعى إلى نقلها من سياق المطالب المعيشية إلى سياق الفوضى السياسية والأمنية. وبينما تصر طهران على الفصل بين المحتج السلمي و"مثير الشغب"، تؤكد أن التدخلات الخارجية، والتهديدات العلنية، ودعم التحركات بوسائل إعلامية وتقنية، تهدف إلى دفع البلاد نحو مرحلة "أمننة" المواجهات واستنزاف الدولة. لذلك، يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحًا مرتبطًا بقدرة الحكومة على احتواء الأزمة عبر إجراءات اقتصادية وضبط أمني مدروس، بحيث تتراجع الاحتجاجات تدريجيًا مع عامل الوقت، وتعود إلى إطارها الفئوي دون أن تتحول إلى موجة مركزية شاملة، خصوصًا مع وجود قيادة سياسية تحاول تقديم خطاب أقرب إلى المزاج الشعبي، مع الحفاظ على دعم القائد والمؤسسات الأساسية للدولة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور