بضوء أخضر أمريكي، استلمت السلطة السورية المؤقتة السيطرة بشكل دراماتيكي، على منطقة شمالي شرقي الفرات المعروفة أيضاً بمصطلح "الجزيرة"، والتي كانت تسيطر عليها ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وأقامت فيها حكماً ذاتياً منذ سنة 2017، بعد سنوات من تلقيها الدعم والحماية والإدارة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه التطورات – من تخلّي أمريكي واضح عن الأكراد - أعادت التأكيد من جديد، على مقولة وقاعدة مجرّبة استخلصها كبير خدّام أمريكا السابقين في المنطقة حسني مبارك، والتي يجب أن يعيها الكثيرون خاصةً الذين يسارعون الى الارتهان لأمريكا ومصالحها، بأن "المتغطي بالأمريكان عريان".
فقوات أحمد الشرع الجولاني من العشائر العربية، الذين يشكّلون النسبة الأكبر من سكان هذه منطقة الجزيرة (الغنية بالموارد الطبيعية والزراعية والاقتصادية)، استطاعوا فرض السيطرة عليها بسرعة قياسية دون أي مقاومة جدية من قسد. أما قائد قسد مظلوم عبدي فقد أعلن بأنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الشرع، لوقف حرب وصف بأنها "فُرضت" على الأكراد، وتحت حجة لم تعد تقنع أحد بأنه قبل بذلك حقناً للدماء.
وبدأ مسلس انهيار سيطرة قسد السريع، عندما سيطرت قوات الجولاني على العديد من المدن والمنشآت الاستراتيجية هناك، أبرزها سد الفرات الذي يعدّ أحد أكبر منشآت الطاقة الكهرومائية، وحقل العمر أكبر حقول النفط في البلاد. كما سيطر مقاتلون من القبائل والعشائر العربية، على العديد من المدن والبلدات والقرى في ريف محافظة دير الزور وجنوبي محافظة الحسكة.
اتفاق جديد بديل عن اتفاق 10 آذار
وعلى ضوء التطورات الميدانية المتسارعة، وبعد لقائه بالمبعوث الأمريكي الى سوريا، توماس برّاك، وإجرائه مكالمة هاتفية مع عبدي، أعلن أحمد الشرع الجولاني عن وقف لإطلاق النار بناء على اتفاق جديد ما بينه وبين ميليشيا قسد، نصّ على تسليم جميع حقول النفط والمنشآت الغازية في المنطقة لحكومة دمشق، وانسحاب قسد إلى شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة فورا، ودمج كل المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وتسلًم الحكومة حقول النفط وكل المعابر الحدودية في الحسكة. كما شمل الاتفاق، دمج كل العناصر العسكرية والأمنية التابعة لقسد في هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية بشكل "فردي" (وليس بشكل جماعي كما كان يطمح قائد قسد "مظلوم عبدي")، مع التزام قسد بعدم ضم "فلول النظام السابق" إلى صفوفها، وتسليم قوائم بضباط "فلول النظام" الموجودين في مناطق شمالي شرق سوريا.
ونصّ الاتفاق على "إخلاء عين العرب من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة مدنية من أبناء المدينة"، و"دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء تنظيم (داعش الوهابي الإرهابي) في مؤسسات الحكومة السورية لتتولى الحكومة المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل". ويلزم الاتفاق قسد بـ"إخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار".
تركيا: الرابح الأكبر
في المحصّلة، يبدو أنّ الرابح الأكبر من هذا التحوّل الجيوسياسي العميق هو تركيا، التي لطالما شكّل وجود "قسد" بمحاذاة حدودها الجنوبية، وما رافقه من مشروع حكم ذاتي كردي، كابوساً استراتيجياً مزمناً وتهديداً مباشراً لأمنها القومي. فبانهيار هذا الكيان وتفكيك بنيته العسكرية والإدارية، تكون أنقرة قد حقّقت هدفاً مركزياً سعت إليه لسنوات من دون أن تطلق رصاصة واحدة، مستفيدة من إعادة التموضع الأمريكي ومن تبدّل أولويات واشنطن في الساحة السورية. غير أنّ هذا "الربح السهل" ظاهرياً يفتح الباب على أسئلة أكثر عمقاً وخطورة: ماذا قدّمت تركيا في المقابل، وأيّ تفاهمات إقليمية أو التزامات خفيّة رافقت هذا التحوّل؟ ثم ما هو الثمن الذي ستُطالَب حكومة الجولاني بدفعه لأمريكا وإسرائيل لقاء هذا الغطاء السياسي والميداني؟ وهل يكون عليها دفع الثمن في المواجهة القادمة مع إيران ومحور المقاومة، بما يحوّل هذا المكسب التركي إلى حلقة ضمن صراع إقليمي أكبر لم تُكشف فصوله بعد؟
الكاتب: غرفة التحرير