في الذكرى السنوية لشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، وفي لحظة إقليمية تتكثف فيها معركة الوعي والمصير، يقدّم موقع الخنادق الإلكتروني هذا الحوار الخاص مع الأستاذ محسن الشامي، أحد معاصري المشروع القرآني منذ انطلاقاته الأولى، ومدير البرامج في قناة المسيرة.
يأتي الحوار كقراءة فكرية معمّقة تتجاوز الطابع التوثيقي أو المناسباتي، لتتجه نحو تفكيك جوهر المشروع القرآني كما طرحه الشهيد القائد، بوصفه مشروع هداية وبصيرة وموقف، أعاد الاعتبار للقرآن الكريم كمرجعية شاملة لفهم الواقع، وتشخيص العدو، وبناء الإنسان الحر من الخوف والارتهان.
حيث يؤكد الشامي أن المشروع القرآني مثل مسارًا ربانيًا متكاملاً أثبت قدرته على الصمود والتوسع، وتحوّل من فكرة محاصرة إلى واقع فاعل في ميدان المواجهة.
ويسرد الشامي جملة من القضايا المحورية، في مقدمتها تشخيص شخصية شهيد القرآن من منظور قرآني، وجوهر المشروع القرآني ومنطلقاته الإيمانية، والفارق الذي أحدثه في وعي الأمة وهويتها، وصولًا إلى قدرته على تجاوز التحديات والتحول إلى مسار فاعل في ميدان المواجهة، إلى نص الحوار:
س١: من منظور قرآني تحليلي، كيف يمكن تشخيص شخصية الشهيد القائد، وما الجوهر الإيماني الذي قامت عليه في قراءة الواقع ومواجهة قوى الاستكبار؟
ليس باستطاعتنا الإحاطة الكلية، ولكن تعرف شخصية شهيد القرآن بأنها الأنموذج الذي جسّد الذوبان في معرفة الله وكتابه الحكيم، فهو الرجل العظيم الذي قرأ الواقع بكل تفاصيله من خلال القرآن الكريم فانعكس الرؤية القرآنية على أخلاقه ومواقفه وبصيرته.
الجوهر الذي قامت عليه شخصيته هو أنه كان عظيم الثقة بالله، تلك الثقة التي جعلته يكسر حاجز الرهبة من قوى الاستكبار العالمي المتمثلة في أمريكا وإسرائيل، ووقف في زمن الصمت ليقول للدنيا وللعالم أن الله أكبر من كل طواغيت الأرض. لقد كان المصداق الحي لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، فكانت انطلاقته مبنية على معرفة الله معرفةً تورث الهيبة منه وحده، مما جعله يتحرك بمسؤولية وروح الأنبياء في مواجهة ضلال الجاهلية المعاصرة ونفوذ الهيمنة.
س٢: ما المنطلقات الفكرية والإيمانية للمشروع القرآني، وكيف يستمد هذا المشروع ديمومته وقوته من آيات الله وسنن النصر؟
انطلق المشروع القرآني من قاعدة إيمانية صلبة مفادها أن القرآن الكريم هو كتاب هداية لكل زمان ومكان، وأنه يمتلك الحلول الناجعة لكل أزمات الأمة السياسية والاقتصادية والأمنية وفي كل المجالات. ومن أهم منطلقاته البصيرة والجهاد، فالمشروع يعلمنا أن الإيمان ليس مجرد أماني بل هو موقف عملي وتحرك يبدأ من تنقية الأنفس وينتهي ببناء أمة حضارية قادرة على بناء وحماية واقعها وتقديم النموذج الأرقى والشاهد على عظمة الإسلام إن هي عملت بذلك.
ويستمد هذا المشروع القرآني ديمومته من كونه مرتبطًا بالحي الذي لا يموت، فهو يجسد قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. لذا نجد المشروع قويًا وثابتًا ومتجاوزًا لكل التحديات، لأنه يعتمد على الوعي والاستبصار الذي لا يمكن لأي تضليل إعلامي أو فكري أن يحجبه من الساحة.
س٣: ما الذي يميز المشروع القرآني عن بقية الأطروحات الدينية والسياسية، وكيف عالج أزمة الهوية والتشظي التي تعانيها الأمة؟
يتميز المشروع القرآني بالشمولية والواقعية، فهو ليس فكراً فلسفياً معزولاً بل هو منهج حياة يصنع أمة عزيزة. قد عالج أزمة الهوية من خلال العودة بالأمة إلى الفطرة الإلهية والهوية الإيمانية الجامعة المتمثلة في القرآن الكريم، متجاوزًا كل العناوين المذهبية والحزبية الضيقة التي مزقت النسيج الإسلامي بعناوين دينية وطائفية وحزبية سرعان ما اصطدمت بالواقع.
لقد جعل من الولاء والبراء بوصلةً للأمة، فحدد لها العدو الحقيقي المتمثل في أمريكا وإسرائيل، وصوب نحوهم البنادق والصرخات، محققًا بذلك قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. فالمشروع أعاد صياغة الإنسان ليكون عبدًا لله حراً من عبودية الطواغيت.
س٤: كيف استطاع المنهج القرآني تجاوز التحديات العسكرية والثقافية الكبرى، وما سر تحوله من حالة محاصرة إلى قوة فاعلة في ميدان الصراع؟
استطاع التجاوز بفضل الارتباط الوثيق بالوعد الإلهي والإعداد الشامل الذي يجمع بين القوة الإيمانية والقوة المادية. شهيد القرآن علمنا أن المعركة هي معركة وعي في المقام الأول، فإذا سلمت القلوب والنفوس من الهزيمة الداخلية، فلا يمكن لأي قوة عسكرية أن تكسرها.
إن سر البقاء يكمن في قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. فالمشروع يبني في الإنسان روح التضحية والإيثار، ويجعل من الشهادة وقودًا للانتصار، وهذا ما جعل المسيرة القرآنية تتحول من بضعة أفراد محاصرين في مران إلى قوة عالمية تهز عروش المستكبرين، وتغير موازين المعركة، وتتصدر الدفاع عن قضايا الأمة المركزية.
س٥: في ظل التحولات الإقليمية ومعركة الأمة المفتوحة، ما حاجة الأمة اليوم لمنهج شهيد القرآن، وكيف جسّد اليمن النموذج العملي لهذا المشروع في معركة الفتح الموعود؟
حاجة الأمة اليوم لهذا المشروع هي حاجة الغريق لمركب النجاة، ففي ظل التكالب الصهيوني العالمي يأتي منهج شهيد القرآن ليمنحنا المنعة والحصانة والثقة بنصر الله، ولكن بحيث تكون العودة عملية بما يعالج واقعها على كل المستويات. وقد قدم اليمن اليوم في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس النموذج الأرقى والعملي لعظمة هذا المشروع، حيث لم تعد الرؤية القرآنية مجرد كلمات تُتلى، بل تحولت إلى مواقف ميدانية هزت أركان الاستكبار نصرةً لغزة.
لقد أثبت اليمن أن المنهج القرآني هو الذي يصنع الاستقلال الحقيقي، حيث تجلت عظمة هذا المنهج في كسر هيبة الطاغوت الأمريكي والبريطاني، كما جرى مؤخراً في معركة البحر الأحمر وهروب حاملات الطائرات الأمريكية والبوارج البريطانية، وهذا تجسيداً لقوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}.
هذا التمكين اليمني هو الثمرة الكبرى للارتباط بالقيادة الربانية، التي جعلت من المستضعفين رأس حربة في مواجهة قوى الاستكبار العالمي ومشاريعهم التي تهدف إلى تدمير وتفتيت المنطقة ومسخها عن هويتها، تصديقاً لقوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ}.