ليست المكالمة المتوتّرة بين بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حدثًا هامشيًا في سياق الترتيبات الجارية لما يُسمّى "اليوم التالي" في غزة، بل هي كاشف سياسي دقيق عن طبيعة المرحلة الثانية من الحرب: مرحلة إعادة هندسة السيطرة، لا إنهاء الصراع. فحين ترتفع حدّة الخلاف بين الحليفين التاريخيين، لا يكون ذلك مؤشرًا على تصدّع التحالف، بل على إعادة توزيع الأدوار داخل منظومة الهيمنة ذاتها.
في الظاهر، يبدو الخلاف تقنيًا: توقيت بيان، صيغة إعلان، أسماء لم يتم التنسيق عليها. لكن القراءة النقدية لما يجري تُظهر أن جوهر الصدام يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى سؤال أعمق: من يملك حق تقرير شكل "السلام" في غزة، ومن يدير تبعات الإبادة سياسيًا بعد أن فُرضت عسكريًا؟
مجلس السلام: اللغة كأداة للهيمنة
يبدأ التفكيك من التسمية نفسها. "مجلس السلام" ليس إطارًا محايدًا لإدارة مرحلة انتقالية، بل بنية لغوية–سياسية تهدف إلى نزع الطابع الاستعماري عن مشروع إدارة ما بعد الحرب. فالسلام هنا لا يعني إنهاء الاحتلال أو استعادة الحقوق، بل تنظيم الواقع القائم بطريقة تضمن استقراره من منظور القوة المهيمنة.
في التجربة التاريخية، غالبًا ما استُخدمت مفردات مثل "الاستقرار" و"الحوكمة" و"إعادة الإعمار" لتبرير أشكال جديدة من السيطرة غير المباشرة. ما يُطرح اليوم على غزة ينتمي إلى هذا السياق: إدارة دولية–إقليمية تُبقي الاحتلال خارج المشهد المباشر، لكنها تحافظ على نتائجه الجوهرية.
واشنطن لا تتشاور… بل تُبلّغ
تكشف تفاصيل المكالمة بين نتنياهو وروبيو عن تحوّل لافت في آلية اتخاذ القرار. فالإدارة الأميركية لم تناقش "إسرائيل" في إشراك قطر وتركيا في "الهيئة التنفيذية" لغزة، بل أبلغتها بالأمر كقرار محسوم. هذا السلوك لا يعكس تراجعًا في مكانة "إسرائيل"، بل إدراكًا أميركيًا بأن إدارة المرحلة الثانية تتطلب أدوات إقليمية لا تستطيع تل أبيب توفيرها، ولا تريد تحمّل كلفتها السياسية.
قطر وتركيا هنا ليستا تفصيلًا، بل عنصرًا وظيفيًا في مشروع "اليوم التالي": الأولى بخبرتها في الوساطات وإدارة الملفات الإنسانية–المالية، والثانية بثقلها السياسي والأمني في الإقليم. إشراكهما لا يهدف إلى حماية الفلسطينيين، بل إلى توفير مظلة إقليمية لمرحلة حساسة تُراد لها أن تبدو "توافقية" بينما تُفرض من أعلى. وعليه، فإن الحديث عن قطر وتركيا كـ"قوتين ضامنتين" لا يكتمل من دون الاعتراف بأن هذا الدور يستند أساسًا إلى تحالف سياسي قائم مع حماس، لا إلى حياد مفترض تسعى واشنطن إلى تسويقه.
لكنهما أيضًا ليستا خارج منظومة التوازنات الدولية. فاستمرارية دورهما كضامن حقيقي مرهونة بمدى قدرتهما على الفصل بين الضمان والتحكم، وبين حماية هامش قرار حماس والانخراط في وظيفة "الضبط المرحلي" التي تسعى واشنطن إلى تمريرها بأدوات إقليمية مقبولة.
وهنا يصبح السؤال الأخطر ليس: هل هما ضامن أم أداة؟ بل: متى يتحول الضمان إلى أداة، وتحت أي شروط، ولصالح من؟
نتنياهو: اعتراض بلا قدرة على التعطيل
احتجاج نتنياهو لم ينصبّ على جوهر المشروع، بل على شكله وتوقيته. فهو لم يرفض مبدأ الإدارة الخارجية لغزة، ولا فكرة نزع سلاح المقاومة، بل اعترض على أن يُعلَن القرار من دون تنسيق، بما يضعه داخليًا في موقع المتلقّي لا الشريك.
وهنا تكمن المفارقة: "إسرائيل" التي فرضت وقائع ميدانية عبر حرب إبادة، تجد نفسها في المرحلة السياسية أمام وقائع تُفرض عليها من حليفها الأكبر. هذا لا يعني انقلابًا في موازين القوى، بل انتقالًا من مرحلة الاستخدام العسكري إلى مرحلة الإدارة السياسية، حيث تصبح واشنطن هي صاحبة القرار النهائي.
القوة الدولية: الأمن بدل العدالة
ضمن هذا السياق، يبرز بند "قوة الاستقرار الدولية" بوصفه حجر زاوية في المرحلة الثانية. هذه القوة، التي يجري تقديمها كضامن للأمن، ليست سوى آلية لضبط الفلسطينيين بعد تدمير مقومات حياتهم. فهي لا تُنشر لحماية السكان من الاحتلال، بل لحماية ترتيبات ما بعد الحرب من أي مقاومة محتملة.
التاريخ مليء بأمثلة على قوى دولية أدت وظيفة الفصل بين الضحية وحقها في المقاومة، لا بين المعتدي وعدوانه. وفي غزة، يُعاد إنتاج النموذج ذاته: أمن بلا سيادة، واستقرار بلا عدالة.
الإعمار كأداة سياسية
تُقدَّر كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 53 مليار دولار، وهو رقم ضخم يُستخدم سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي. فالإعمار هنا ليس حقًا، بل أداة ضغط: يُربط بنزع السلاح، وبقبول صيغ إدارية محددة، وبالالتزام بخارطة طريق لا تتضمن أي أفق حقيقي لإنهاء الاحتلال.
بهذا المعنى، يتحوّل الإعمار إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني وفق شروط المانحين، لا وفق احتياجات الناس وحقوقهم. إنها عملية "إعادة تأهيل" سياسية بغطاء إنساني.
الموقف الأوروبي: تململ بلا قطيعة
التحفّظ الأوروبي على "مجلس السلام" يعكس قلقًا من تجاوز إطار الأمم المتحدة، لكنه لا يرقى إلى مستوى المواجهة. فالدول الأوروبية، رغم اعتراضها على الصيغة الأميركية، لا تقدّم بديلًا حقيقيًا، ولا تتحدى جوهر المشروع القائم على إدارة الصراع بدل حلّه.
هذا التململ يعكس أزمة أعمق في النظام الدولي: عجز عن فرض الشرعية الدولية في مواجهة قرارات أحادية تُقدَّم كحقائق منجزة.
الفلسطينيون بين الضرورة والمخاطر
في غزة، يُستقبل تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع بترحيب حذر. هذا الترحيب مفهوم في ظل الكارثة الإنسانية، لكنه لا يلغي المخاطر الكامنة. فالإدارة المؤقتة، إذا لم تُحدَّد بسقف زمني واضح وصلاحيات حقيقية، قد تتحوّل إلى وصاية دائمة تُفرغ القرار الوطني من مضمونه.
السؤال الجوهري ليس من يدير الخدمات، بل من يملك القرار السياسي. ومن دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، تبقى كل الترتيبات عرضة للتحوّل إلى أدوات ضبط لا تمكين.
ما بعد المرحلة الثانية
المرحلة الثانية ليست نهاية الحرب، بل انتقالها إلى شكل آخر. فبينما تتراجع العمليات العسكرية، تتقدّم أدوات الإدارة والسيطرة. "مجلس السلام" ليس مشروع سلام، بل مشروع إدارة أزمة طويلة الأمد، يُراد لها أن تستقر من دون أن تُحل.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي لهذه المرحلة لا يكون في البيانات ولا في الأسماء، بل في النتائج: هل يُسمح للفلسطينيين باستعادة سيادتهم وحقوقهم، أم يُعاد إنتاج وضع هشّ تُدار فيه حياتهم تحت سقف الوصاية؟
في المحصلة، ما يجري اليوم هو محاولة لإغلاق ملف غزة أمنيًا وإنسانيًا، لا سياسيًا. أما الصراع، فيبقى مفتوحًا ما دام جوهره — الاحتلال ونزع الحقوق — قائمًا، مهما تغيّرت العناوين وتبدّلت المجالس.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]