كعادتها في التدخل في شؤون الداخلية للدول ذات السيادة، لا تتورع الإدارة الأمريكية وكل مسؤوليها عن القيام بأي شيء من إثارة الفتن وتعطيل العمليات الدستورية والديمقراطية، من أجل الحفاظ على مصالحهم.
وهذا ما حصل مؤخراً، من خلال محاولة الأمريكيين فرض الضغوط على العراق وقواه السياسية، وابتزازهم بشكل علني، لأجل منع وصول مرشح الأغلبية الشعبية والوطنية (المكون الأكبر)، نوري المالكي، الى منصب رئاسة الحكومة.
بلطجة أمريكية موصوفة
ففي تواصل لنهج أمريكا بالبلطجة العلنية وسلوك الابتزاز على الدول ذات السيادة. صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن بلاده "ستتوقف عن دعم العراق إذا عاد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي". وكتب ترامب عبر منصته تروث سوشال بأن " سمعت أن الدولة العظيمة العراق قد تتخذ خيارا سيئا للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء"، مشيرا إلى أنه إذا اختار العراق المالكي رئيسا للحكومة فلن تساعده أميركا مجددا. معتبراً هذا الأمر بأنه "خيار سيء"، وزاعماً بأن "العراق انزلق في عهد المالكي إلى براثن الفقر والفوضى العارمة"، وقال "لا ينبغي تكرار التجربة السابقة لحكم المالكي في العراق".
ولم يكن ترامب المسؤول الأمريكي الأول الذي يجنح الى هذا الأمر، بل سبقه الى ذلك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي حذر خلال اتصال أجراه مع الرئيس محمد شياع السوداني مما وصف بـ "تشكيل حكومة موالية لإيران"، بعد أن أثارت العودة المتوقعة لنوري المالكي إلى منصب رئيس الحكومة قلق واشنطن. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت أن روبيو زعم بأن "حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تنجح في وضع مصالح العراق أولا، وأن تبقي العراق بعيدا عن النزاعات الإقليمية، أو أن تعزز الشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق".
المالكي: نرفض التدخل الاميركي السافر
وقد علق الرئيس المالكي على تصريحات ترامب في تغريدة له قال فيها: "نرفض رفضا قاطعا التدخل الاميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكا لسيادته ومخالفا للنظام الديمقراطي في العراق بعد العام 2003، وتعديا على قرار الإطار التنسيقي لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء". مضيفاً بأن "لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء الى لغة الاملاءات والتهديد". كاشفاً عن قراره الاستمرار بترشيحه حتى النهاية عبر القول "وانطلاقا من احترامي للارادة الوطنية، وقرار الاطار التنسيقي الذي كفله الدستور العراقي، فسوف استمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".
تأجيل انتخابات الرئاسة بسبب البلطجة الأمريكية
ويمكن اعتبار اعلان مجلس النواب العراقي تأجيل الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية إلى إشعار آخر، بعدما كان مقرراً عقدها بعد ظهر الثلاثاء 27/01/2026، هو بسبب البلطجة (التحذيرات) الأمريكية حول تشكيل الحكومة. بالرغم من أن الدائرة الإعلامية في البرلمان قد صرّحت بأن مجلس النواب قرر تأجيل انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بعد تسلّم رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي طلباً من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لتأجيل الجلسة، وأن الحلبوسي ذكر بأن طلب التأجيل يهدف لإعطاء مزيد من الوقت للتفاهم والاتفاق بين الحزبين الكرديين.
إن ما جرى، يكشف بوضوح، كيف اعتادت أمريكا على مصادرة خيارات الشعوب وفرض الوصاية عليها، بما يظهر مرة أخرى أن خطاب "الديمقراطية"، ليس سوى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح الأمريكية وتُدهس حين تتعارض معها. ومن هنا، فإن مسؤولية القوى الوطنية العراقية تكمن في حماية المسار الدستوري، ورفض الإملاءات الخارجية، وتغليب الإرادة الشعبية على منطق الابتزاز السياسي، لأن الحفاظ على السيادة اليوم هو الأساس الوحيد لبناء عراق مستقل وقادر على تقرير مستقبله بعيداً عن الهيمنة والضغوط الأجنبية.
الكاتب: غرفة التحرير