الخميس 29 كانون الثاني , 2026 01:35

ديفيد هيرست: معركة الجمهورية الإسلامية هي معركة العرب أيضاً

جدارية في إيران تتوعد الجنود الأمريكيين والإسرائيليين

يعتقد الصحفي ديفيد هيرست في هذا المقال الذي نشره موقع "Middle East Eye" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، بأن على الجميع في المنطقة، مهما كانت مواقفهم السابقة من الجمهورية الإسلامية، أن يبذلوا أقصى ما بوسعهم للدفاع عن إيران وضمان سيادتها، لأن في ذلك حفاظ على أمن واستقرار بلدانهم وبالتالي استقرار المنطقة.

وبالرغم من أن هيرست وصف حال الجمهورية الإسلامية والسيناريوهات المتوقعة لها بسلبية مبالغ فيها بشكل كبير، إلى أنه أظهر كيف أن نتنياهو فشل في كل خطوة أقدم عليها (في تغيير وجه المنطقة كما كان يزعم) ولذلك يحاول التعويض من خلال الحرب مجدداً ضد الجمهورية الإسلامية.

النص المترجم:
لم يمضِ سوى أسبوع واحد بالكاد منذ أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوقيعه أمام الكاميرات في دافوس على ميثاق ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" الخاص به، حتى بات الشرق الأوسط يقف على حافة الهاوية، في ظل احتمال حقيقي لاندلاع حرب خليجية ثالثة.

إنه شعور مألوف. فقد وصلت مجموعة حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس أبراهام لينكولن إلى مدى يسمح بتوجيه ضربات ضد إيران يوم الأحد. كما جرى إرسال مقاتلات F-15E سترايك إيغل وقاذفات B-52 إلى الأردن وقطر على التوالي.

وأفادت القناة 13 الإسرائيلية بأن الجيش الأميركي كان يستعد لتعزيز منظومات دفاعه الأرضية أيضاً، مع توقع وصول بطارية دفاع جوي من طراز ثاد (THAAD) خلال الأيام المقبلة.

في الوقت نفسه، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تعمل بلا كلل. إذ ذكرت صحيفة "إسرائيل هيوم"، الأقرب إلى الحكومة الإسرائيلية، أن الأردن والإمارات والمملكة المتحدة ستوفر دعماً لوجستياً واستخبارياً للجيش الأميركي في حال وقوع هجوم.

وقد دفع ذلك الإمارات إلى الإعلان علناً عن التزامها "بعدم السماح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران… ونؤكد التزامنا بعدم تقديم أي دعم لوجستي لأي عمل عسكري معادٍ لإيران".

غير أن إيران ستتجاهل هذا الموقف، إذ حذّر مسؤولون إيرانيون كبار من أن الإمارات قد تجاوزت بالفعل الخطوط الحمراء. وفي حال وقوع هجوم آخر، فإن الجمهورية الإسلامية لن تحصر ردّها بإسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية وحدها.

وقد صرّح لي مسؤول إيراني رفيع العام الماضي بأن إسرائيل تستخدم أذربيجان والإمارات في "حربها القذرة" ضد إيران. وقال: "نحن نتوقع بالتأكيد جولة أخرى من هذه الحرب، وهذه المرة لن تُفاجأ إيران ولن تكون في موقع الدفاع، بل ستنتقل إلى الهجوم".

وأضاف: "الإمارات ستدفع ثمناً باهظاً. في المرة المقبلة التي نتعرض فيها لهجوم، سيمتدّ ذلك إلى الخليج والمنطقة بأسرها".

استهداف خامنئي

عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في حزيران/يونيو الماضي، في حرب استمرت 12 يوماً، جرى تضليل طهران عبر الإيحاء بقرب جولة جديدة من المحادثات في عُمان، ما دفعها إلى الاعتقاد بأن إسرائيل لن تُقدم على الضربة قبل انعقاد تلك المفاوضات.

في ذلك الوقت، نفى البيت الأبيض أن يكون تغيير النظام هدفاً لتلك الضربات، التي استهدفت كبار القادة العسكريين، وعلماء الذرة، والمخابئ العميقة التي تؤوي أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم.

غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يسعى إلى تغيير النظام. فقد قال إن اغتيال القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي "لن يؤدي إلى تصعيد الصراع، بل سينهيه".

لكن البيت الأبيض خالفه الرأي. إذ أفاد موقع "أكسيوس" بأن الرئيس دونالد ترامب كان أكثر تردداً من نتنياهو في استهداف خامنئي. ونقل عن مسؤول رفيع في الإدارة قوله: "إنه آية الله الذي تعرفه مقابل آية الله الذي لا تعرفه".

أما هذه المرة، فقد زال هذا التردد. وسيكون القائد الأعلى هو الهدف الأساسي.

قُتل آلاف الأشخاص في القمع الأخير للاحتجاجات في إيران. أما العدد الدقيق فمحل جدل حاد. فقد أعلنت الحكومة الإيرانية الأسبوع الماضي أن حصيلة القتلى تجاوزت بقليل 3100 شخص، بينما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقديرات صادرة عن جماعات حقوقية تضع العدد أقرب إلى 10 آلاف.

بدأت الانتفاضة في كانون الأول/ديسمبر على شكل احتجاج من قبل تجّار في طهران، تنديداً بانهيار الريال وارتفاع تكاليف المعيشة. وسرعان ما انتشرت الحركة إلى مدن أخرى وأحياء شعبية فقيرة، في مؤشر واضح على غضب ويأس وطنيين بعد عقود من العقوبات الأميركية، والفساد، وسوء الإدارة.

وقد تكرر الأمر نفسه قبل عدة سنوات عقب وفاة مهسا أميني، الشابة الإيرانية الكردية البالغة 22 عاماً، أثناء احتجازها بعد اعتقالها من قبل "شرطة الأخلاق" الإيرانية لعدم التزامها بقواعد اللباس الإسلامي.

لكن حقيقة أن هذا الغضب إزاء الركود الاقتصادي، الذي عانت منه الطبقتان الوسطى والعاملة على حد سواء، كان ولا يزال غضباً حقيقياً، لا تنفي في الوقت ذاته تورط أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية في تأجيج الوضع. فالأمران لا يتعارضان.

الضغط الأقصى

إن الأزمة الاقتصادية العميقة في إيران هي نتيجة مزيج من سوء الإدارة الداخلية، والعقوبات الخانقة التي فرضها ترامب، والذي انسحب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي الإيراني وفرض سياسة "الضغط الأقصى"، وهي سياسة واصلتها إدارة جو بايدن الديمقراطية.

وكما هو الحال في الإبادة الجارية في غزة، فإن محاولة إخضاع الاقتصاد الإيراني هي سياسة تحظى بإجماع الحزبين في الولايات المتحدة. والضحايا الأساسيون لهذه السياسة هم الشعب الإيراني، الذي يدّعي الغرب أنه حريص عليه.

فتهيئة الظروف لليأس، ثم استغلاله كذريعة للحرب ضد البلاد بأكملها، ليس بالأمر الجديد على الموساد أو وكالة المخابرات المركزية (CIA) أو جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، ولا يُعدّ السعي الحثيث لتحويل احتجاج اقتصادي إلى تمرد مسلح أمرًا جديدًا أيضًا. لكن المختلف هذه المرة هو أن القليل جداً، إن وُجد، قد بُذل لإخفاء بصماتهم.

لم يُخفِ الموساد تورّطه إطلاقاً. ففي منشور باللغة الفارسية على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر، شجّع الإيرانيين على التظاهر، بل وادّعى أنه موجود معهم جسدياً في ساحات الاحتجاج.

وكتب الموساد: "اخرجوا جميعاً إلى الشوارع. لقد حان الوقت. نحن معكم. ليس فقط من بعيد وبالكلام. نحن معكم في الميدان".

وقد يفسّر هذا وحده العدد المرتفع من قتلى الشرطة. إذ اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شبكات مرتبطة بإسرائيل بالتسلل إلى الاحتجاجات، والانخراط في أعمال تخريب وهجمات محددة الهدف لتصعيد الاشتباكات ورفع عدد الضحايا.

غير أن الاستراتيجية الإسرائيلية فشلت عندما خرج عشرات الآلاف في تظاهرة مؤيدة للحكومة، وتم قطع الإنترنت، واعتُقل الآلاف — ولكن ليس قبل أن تُزرع في الإعلام الغربي فكرة مفادها أن إسقاط النظام بات قضية حقوق إنسان دولية، وأن لدى قوى المعارضة للنظام "قائداً محتملاً" يتمثل في رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير، البالغ من العمر 65 عاماً.

وقد رفض ترامب بشكل لافت لقاء بهلوي. فعندما سأله مقدّم البودكاست هيو هيويت عمّا إذا كان سيلتقي بهلوي المقيم في الولايات المتحدة، قال ترامب: "راقبته، ويبدو لي شخصاً لطيفاً. لكنني لست متأكداً من أن من المناسب في هذه المرحلة أن أفعل ذلك بصفتي رئيساً".

وقد فُسّر هذا الموقف على أنه رسالة على طريقة فنزويلا، مفادها أنه في حال تخلّص ترامب من خامنئي، فسيكون مستعداً لعقد صفقة مع الإدارة التي ستبقى في الحكم.

تغيّر في الموقف

لقد سلكنا هذا الطريق مرات عديدة من قبل. لكن هذه المرة، هناك اختلاف جوهري عن المحاولات السابقة لإسقاط الجمهورية الإسلامية.

فالعالم العربي السني — الذي لطالما شعر بأنه مستهدف بتوسّع شبكة الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، والتي خاضت في أحيان كثيرة حروباً بالوكالة مريرة في العراق ولبنان واليمن وسوريا — بدأ يتجه نحو إيران.

ولا يحدث هذا بدافع رومانسي لنصرة القضية الفلسطينية، ولا نتيجة صحوة مفاجئة في التسامح الديني. كما أنه ليس، في المقام الأول، دفاعاً عن الأصول النفطية، التي تبقى شديدة الهشاشة أمام الطائرات المسيّرة والصواريخ الانتقامية.

إن هذا التحول نابع من إدراك متزايد لمصالح قومية عربية تتعلق بالسيادة والاستقلال. فإيران بات يُنظر إليها على نحو متزايد على أنها تخوض المعركة نفسها التي تخوضها الدول العربية ضد الهيمنة والاحتلال.

وهي، مثلها، تخشى أن تكون إسرائيل ماضية في طريق التحول إلى المهيمن العسكري على المنطقة، وأن تفكيك الدول المجاورة هو أسرع السبل لتحقيق ذلك.

ويظهر التحول الأكثر دراماتيكية ضد إسرائيل في السعودية، التي كانت طوال العقد الماضي معقلاً للتخطيط المعادي لإيران. ففي 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي قبل يوم واحد من الهجوم الذي قادته "حماس" على جنوب إسرائيل، كانت السعودية على وشك توقيع "اتفاقيات أبراهام"، التي كانت ستفضي إلى تطبيع العلاقات بين المملكة وإسرائيل.

أما اليوم، فعلى النقيض تماماً، لم يُرفع هذا الخيار عن الطاولة فحسب، بل أُطلقت أيضاً حملة إعلامية شرسة ضد إسرائيل.

"في أحضان الصهيونية"

هناك مقال واحد على وجه الخصوص لا يمكن أن يكون قد نُشر وأُعيد نشره إلا بموافقة من أعلى المستويات.

ففي جميع الأحوال، كان ينبغي لظهور الأكاديمي السعودي أحمد بن عثمان التويجري في صفحة المقالات بصحيفة "الجزيرة" أن يثير الدهشة، إذ إن الصحيفة تُعد لسان حال حكومي، كما أن التويجري نفسه عُرف بمواقف أكثر تعاطفاً مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

وبالنسبة لحكومة نفّذت عدة حملات تطهير بحق أكاديميين وصحافيين سعوديين على صلة بالإسلام السياسي، فإن مجرد ظهور التويجري يُعد أمراً لافتاً بحد ذاته.

وقد نشرت الصحيفة مقالاً لاذعاً اتهم فيه التويجري دولة الإمارات بإلقاء نفسها "في أحضان الصهيونية"، وبالعمل بوصفها "حصان طروادة إسرائيل في العالم العربي، على أمل استخدامها ضد المملكة والدول العربية الكبرى — في خيانة لله ورسوله وللأمة بأسرها".

واتهم التويجري، محقّاً، الإمارات بالمساهمة في تفكيك ليبيا، و"نشر الفوضى في السودان" عبر تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، و"التغلغل في تونس كالحشرات".

كما زعم أن الإمارات تدعم عمداً مشروع سدّ النهضة الإثيوبي الكبير، رغم الأضرار التي قد يلحقها بمنسوب مياه النيل في دول المصب وبالمصالح الاستراتيجية لمصر.

كل ذلك صحيح، لكن صدوره من السعودية، الشريك الرئيسي للإمارات في كثير من مشاريع الثورة المضادة التي سحقت الربيع العربي، يجعل هذه اللغة شديدة القسوة.

وقد ردّت أبو ظبي بتفعيل شبكاتها في واشنطن. إذ كتب باراك رافيد من موقع "أكسيوس" على منصة "إكس" أن المقال لم يكن معادياً لإسرائيل فحسب، بل معادياً للسامية أيضاً.

تدخّلت بعد ذلك رابطة مكافحة التشهير (ADL)، معربةً عن قلقها إزاء "التزايد في وتيرة وحجم الأصوات السعودية البارزة — من محللين وصحافيين ودعاة — التي تستخدم إيحاءات معادية للسامية بشكل علني، وتدفع بقوة خطاباً عدائياً لاتفاقيات أبراهام، وغالباً ما تروّج في الوقت نفسه لنظريات مؤامرة حول “مخططات صهيونية".

ولم تكد العاصفة التي أثارها هذا المقال تبلغ ذروتها، حتى اختفى المقال نفسه من الإنترنت. وقد نسبت رابطة مكافحة التشهير هذا الحذف إلى تدخلها، مشيرةً إلى أن ذلك حصل بعد وقت قصير من نشرها بيانها.

غير أن ذلك لم يكن الكلمة الأخيرة بشأن المقال، إذ سرعان ما عاد للظهور، وبالسرعة نفسها تقريباً، على موقع صحيفة "الجزيرة".

وكتب حساب "كولومبوس" على منصة "إكس"، والذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يمثّل صوت سعود القحطاني، الذراع الإعلامية لولي العهد محمد بن سلمان:
"بعض الأشخاص من الإمارات المُتصالِحة — أصلحهم الله — يروّجون كذبة مفادها أن المقال السعودي عن التويجري حُذف من صحيفة الجزيرة! خوفاً على العلاقات الدولية! هذا غير صحيح؛ المقال ما زال موجوداً، وهذا هو رابط المقال".

والاستنتاج الوحيد الذي يمكن الخروج به من هذه القضية هو أن ما قاله التويجري يعكس الخط الرسمي للمملكة نفسها.

سياسة التفكيك

بدأ "تأثير غزة" يفرض نفسه في مختلف أنحاء المنطقة. فغزة بحد ذاتها كانت هزيمة عسكرية لـ"حماس" و"حزب الله" وإيران. أما "تأثير غزة" فشيء آخر تماماً.

ففي سياق سحق غزة، تعهّد نتنياهو مراراً بإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقد قال في مناسبات عديدة منذ ذلك الحين إنه "يغيّر وجه الشرق الأوسط"، وإن هذا الصراع هو "حرب ولادة جديدة".

وكان جزءاً أساسياً من سياسة التفكيك الإسرائيلية ضمان ألّا تعود سوريا، بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد، لتظهر مجدداً كدولة قومية ذات سيادة.

وهذا ما قصده نتنياهو حين أطلق، خلال ساعات من سقوط الأسد في أواخر عام 2024، أوسع حملة قصف جوي في تاريخ سوريا. ففي غضون 24 ساعة، جرى تدمير سلاحي الجو والبحرية السوريين بالكامل.

ثم توغلت الدبابات الإسرائيلية في جنوب سوريا بذريعة إقامة "منطقة حماية" للطائفة الدرزية، وهو عرض رفضته في البداية القيادات الدرزية.

كما عرضت إسرائيل "حماية" الأكراد في شمال سوريا. لكن هذا العرض تبيّن خواءه الفاضح الأسبوع الماضي، بعدما أدّت اشتباكات بدأت في مناطق كردية في حلب إلى الانهيار الدراماتيكي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإلى تولّي دمشق السيطرة على معظم الأراضي السورية.

الولايات المتحدة، الداعم السابق لـ"قسد"، لم تحرّك ساكناً لوقف هذا الانهيار، كما أن إسرائيل لم تستجب لنداءات الأكراد طلباً للمساعدة.

وقبل توقيع وقف إطلاق النار، اتهم المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، قائد "قسد" مظلوم عبدي بمحاولة جرّ إسرائيل إلى الشؤون الداخلية السورية.

إن المنطقة تشهد بالفعل تغيراً عميقاً، لكن ليس على النحو الذي تصوّره نتنياهو يوماً. فقد كانت سوريا منهكة بعد عقد من الحرب الأهلية عندما انهار نظام الأسد كبيت من ورق. أما قائدها الجديد، الرئيس أحمد الشرع، فقد بذل جهداً كبيراً لإرسال إشارات تفيد بأنه لا يريد حرباً مع إسرائيل.

غير أن المزاج العام في سوريا تبدّل بعد عام واحد فقط، بفعل عدوانية وغطرسة الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يكتفي بعدم إظهار أي نية للتخلي عن الجولان المحتل، بل باتت قواته اليوم على مسافة لا تتجاوز 25 كيلومتراً من دمشق نفسها.

الدرس المستفاد

بات قتال إسرائيل اليوم مسألة كرامة وطنية في سوريا، كما هو الحال في معظم أنحاء المنطقة. ولا يزال الشرع يتصرف بالحذر والحنكة نفسيهما اللذين أظهرهما عند إطاحته بالأسد.

وعلى أعتاب تحقيق النصر في شمال سوريا، أصدر الشرع مرسوماً يعترف باللغة الكردية لغةً وطنية، ويعيد الجنسية إلى جميع السوريين الأكراد.

تلوح في الأفق اتفاقيات عسكرية جديدة. وتصف إسرائيل إحداها بأنها "ناتو إسلامي"، لكنها ليست كذلك على الإطلاق.

فهي تتشكّل نتيجة إدراك متنامٍ لدى قوى إسلامية إقليمية متوسطة بأن السبيل الوحيد لاحتواء إسرائيل هو الدفاع المتبادل فيما بينها. وهذا هو الدرس الذي استُخلص من مشاهدة إسرائيل وهي تقضي على خصومها واحداً تلو الآخر.

ويجري حالياً الحديث مع تركيا، صاحبة أكبر جيش إقليمي، للانضمام إلى اتفاق دفاع مشترك قائم بين السعودية وباكستان. كما باتت تركيا والسعودية ومصر تدعم علناً قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

ولتعميق الشرخ مع الإمارات أكثر، تستعد السعودية لشراء الذهب السوداني، في خطوة من شأنها تقليص — وإن لم تُنهِ — تجارة الذهب الإفريقية التي تهيمن عليها أبو ظبي.

كل هذه المؤشرات تدل على أن المنطقة تتغير فعلاً، لكن ليس تماماً كما تخيّل نتنياهو.

فهو يواجه هزيمة على أكثر من جبهة. إذ فشل في إحداث تهجير جماعي للسكان من غزة أو من الضفة الغربية المحتلة، رغم أن كل سياساته — من القصف إلى التجويع — صُمّمت لتحقيق هذا الهدف.

كما فشل في تفكيك سوريا؛ بل على العكس تماماً، نجحت إسرائيل في توحيدها كما لم يحدث من قبل. وفشل أيضاً في إقامة وجود عسكري في "أرض الصومال" الانفصالية، ليواجه اليوم معارضة علنية من الحكومة الصومالية.

وقد خسر دعم مصر في ملف غزة، والأردن في ملف الضفة الغربية، وهما دولتان تعتبران أي تدفق للاجئين الفلسطينيين تهديداً وجودياً لهما.

أما رمية النرد الأخيرة لنتنياهو، فستكون شن هجوم جديد على إيران. غير أن حليفه الأساسي، الإمارات، فقدت قدراً كبيراً من نفوذها بعد طردها من اليمن.

وفي حال أقدم على الهجوم، فثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة:

الأول، توجيه ضربة قاصمة لقيادة إيران وترهيب من تبقى من النخبة لدفعهم إلى الانصياع. لكن هذا الخيار غير مرجّح في إيران، إذ إن القائد الأعلى الذي سيخلف خامنئي سيكون، على الأرجح، أكثر إصراراً على امتلاك الردع الوحيد الكفيل بمنع أي هجوم جديد — أي السلاح النووي.

الخيار الثاني، في حال انهيار الدولة، يتمثل في إقامة "محمية" إسرائيلية بقيادة بهلوي. غير أن هذا الاحتمال ضعيف أيضاً، نظراً إلى أن بهلوي لا يحظى إلا بدعم ضئيل جداً داخل إيران، ولو نُصّب في الحكم لكان دمية بيد إسرائيل أكثر مما كان عليه والده.

أما الخيار الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً في حال انهيار الدولة، فيتمثل في اندلاع حرب أهلية وتفكك إيران. وهذا من شأنه أن يدفع موجات هائلة من الإيرانيين شمالاً وغرباً باتجاه السعودية وتركيا، بما يزعزع استقرار المنطقة بأسرها على نحو بالغ الخطورة.

وستتبدد أحلام السعودية بالتحديث في لحظة واحدة. ولن ينعم أي جار لإيران بالسلام في أعقاب مثل هذا الانهيار. وقد بدأت تركيا بالفعل وضع خطط للدفاع عن حدودها لمنع تدفق ملايين الإيرانيين إلى أراضيها.

إن الحكومة الإيرانية محقّة في اعتبار هذه التطورات تهديداً وجودياً — وعلى الجميع في المنطقة، مهما كانت مواقفهم السابقة من الجمهورية الإسلامية، أن يبذلوا أقصى ما بوسعهم للدفاع عن إيران وضمان سيادتها.

إن نتنياهو يخطط لمهاجمة إيران لأن كل خطوة أخرى أقدم عليها قد فشلت. ومعركة إيران من أجل البقاء هي معركة بقاء المنطقة بأسرها — ولا ينبغي لأي حاكم عربي أن ينسى ذلك إطلاقاً.


المصدر: Middle East Eye

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور