مع إنقضاء الشهر الأول من عام 2026، وبينما تترقب الجمهورية الاسلامية الايرانية بحذر متأهّب احتمالات العدوان الأمريكي، تعيش إسرائيل — على عكس صورتها المعتادة كجهة تملك زمام المبادرة — حالة نادرة من التخبط الاستراتيجي والذهني. فالكيان الذي لطالما قدّم نفسه كـ"شريك أول" للولايات المتحدة في التصدي للمشروع الإيراني، يجد نفسه اليوم في موقف التابع الذي ينتظر إشارة ضوء أخضر من رئيس أمريكي لا يمكن التنبؤ بردّات فعله.
ورغم كل ما بذلته وتبذله إسرائيل من دعم لوجستي واستخباراتي لصالح الحشد الأميركي في الخليج، لا تزال القيادة في تل أبيب تجهل فعلياً ما يريده دونالد ترامب. و حتى زيارة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شلومي بيندر إلى واشنطن في 26 يناير، لم تنتج عنها رسائل حاسمة. بل على العكس، عادت بأجواء ملبدة بـ"الضباب السياسي"، بحسب ما ورد في تسريبات لـ"القناة 13" العبرية. وقد اكتفى بيندر بتسليم الولايات المنحدة معلومات تفيد بأن ايران طورت برنامجها الصاروخي.
وإذا كانت إيران تترقب الخطوة القادمة بمزيج من الحذر والانضباط الدفاعي، فإن إسرائيل، بحسب تقرير تايمز أوف إسرائيل، تعيش حالة من عدم اليقين تخلخل استعداداتها، وتجعل من كل ساعة تمر تهديدًا بحد ذاته.
الجبهة الداخلية على حافة الاشتعال: استنفار بلا خطة واضحة
أعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية (بحسب "تايمز أوف إسرائيل" بتاريخ 30 يناير) عن رفع حالة التأهب إلى أعلى مستوياتها، تحسبًا لما وصفته بـ"سيناريوهات مفاجئة" قد تشمل ضربة أمريكية مفاجئة لإيران، وردًا إيرانيًا محتملاً على أهداف إسرائيلية باعتبارها الشريك الطبيعي لواشنطن في أي تصعيد.
ورغم هذا الاستنفار، لا تملك إسرائيل تصورًا واضحًا عمّا إذا كانت هذه التحركات تمهّد لضربة حقيقية، أم أنها ورقة ضغط دبلوماسي يستخدمها ترامب في اللحظة الأخيرة لابتزاز اتفاق نووي أكثر شراسة.
فمن الجنوب إلى الشمال، رفعت الجاهزية في منظومات الدفاع الجوي الاسرائيلي، وأعيد تقييم الخطط التشغيلية للجبهة الداخلية. وعلى الحدود مع لبنان وسوريا، نُفذت مناورات محدودة لتقييم قدرة الردع الإسرائيلية.
لكن ما يزيد من التوتر الداخلي هو أن التكلفة السياسية والاقتصادية لهذا الاستنفار ترتفع يومًا بعد يوم، دون وضوح حول جدواه الفعلي، وهذا ما عبّر عنه مسؤول كبير في وزارة الأمن الإسرائيلية للقناة 12 بالقول: "نحن ندفع فاتورة حرب لا نعرف إن كانت ستقع، أو حتى ما إذا كنا طرفًا فيها"- مضيفا "علينا أن نستعد وكأن الضربة مؤكدة، ونتصرف وكأنها لن تحدث أبداً."
بدوره أشار رون ديرمر، الوزير الإسرائيلي السابق للشؤون الاستراتيجية، بحسب تايمز اوف اسرائيل خلال إحاطة أمنية مغلقة إلى أن عرض إيران للحوار في هذا التوقيت ليس إلا خدعة تكتيكية لتأخير الهجوم الأمريكي المحتمل، وأن إسرائيل يجب أن "لا تنخدع بلغة المساومة في اللحظة الأخيرة".
داني سيترينوفيتش: التحذير من الوقوع في فخ الاستفزاز
في مقابل الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "جاهزية مطلقة"، برز صوت داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في "معهد أبحاث الأمن القومي" (INSS)، ليرسم صورة مختلفة: "القلق ليس من الضربة بحد ذاتها، بل من أنها قد تكون بلا استراتيجية، وبلا هدف سياسي نهائي. وفي هذه الحالة، فإن الرد الإيراني سيكون أكثر خطورة مما نتصور، وسيدفعنا إلى تصعيد طويل الأمد."
سيترينوفيتش حذّر مرارًا من أن إسرائيل قد تكون أول من يدفع ثمن اندفاع ترامب غير المدروس، مشيرًا إلى أن إيران، بخلاف ما يُعتقد، قد تستخدم صواريخها فرط صوتية لأول مرة إذا ما شعرت بأن النظام مهدد بجدية. وقد اكد سيترينوفيتش أن توقيت الهجوم قد مرّ ولم يتم الاستفادة منه ( في اشارة الى فترة الاحتجاجات الايرانية). وفي مقابلة مع i24news ، شبّه سيترينوفيتش الوضع بـ"سفينة تبحر نحو الضباب بلا بوصلة"، محذّرًا من أن إسرائيل قد تجد نفسها في قلب مواجهة شاملة لا أحد خطط لها فعليًا.
مركز القدس يدفع نحو الحسم: لا وقت للرهانات
على النقيض من هذا الحذر، تبنّى "مركز القدس للشؤون العامة" موقفًا مغايرًا أكثر جرأة. ففي سلسلة تقارير نُشرت بين 25 و27 يناير، طالب المركز حكومة نتنياهو بـ"دفع واشنطن نحو اتخاذ قرار حاسم الآن"، معتبرًا أن: "النظام الإيراني أضعف من أي وقت مضى، وإن لم يتم استغلال هذه اللحظة، فسنواجه بعد عامين نظامًا نوويًا أكثر شراسة وجرأة."
يوني بن مناحيم، أحد أبرز محللي المركز، ذهب إلى حد التحذير من أن التراخي الأمريكي الحالي لا يفسَّر في طهران على أنه عقلانية، بل ضعف يمكن استثماره. هذه اللهجة التصعيدية ليست منفصلة عن التوجه اليميني في المؤسسة السياسية الإسرائيلية، لكنها تعكس أيضًا تيارًا آخذًا في التوسع داخل الدوائر الأمنية، يرى في تأجيل الحسم العسكري خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها لاحقًا.
ارتباك في القرار الإسرائيلي: صراع تأويلات بين الأمل والخشية
بعيدًا عن التحليلات والمؤسسات، فإن ما يجري في إسرائيل هو صراع تأويلات داخلي عميق حول نوايا ترامب:
الإجابة على هذه الأسئلة اختلفت من يوم لآخر:
هذا الصراع في الأفكار عبرت عنه هآرتس، في افتتاحيتها بتاريخ 30 يناير، حين كتبت: "إسرائيل تستعد للحرب بينما ترامب يجهّز صفقة، من هو الذي يخدع الآخر؟"
الكيان غارق في دوامة الانتظار
مع انقضاء الشهر الأول من عام 2026، تتكشّف صورة مغايرة لما سعت إليه واشنطن وتل أبيب. فبينما غرقت إسرائيل في دوامة الانتظار والارتهان لقرار أمريكي متقلّب، تدير إيران الأزمة بعقل دولة تعرف حدود القوة وتُحسن استخدام الزمن كسلاح، لا اندفاع، ولا تنازلات تحت الضغط، بل قراءة باردة لمسار الأحداث، واستعداد محسوب لكل الاحتمالات.
اللافت أن ميزان القلق انقلب، فبدل أن تكون طهران هي الطرف المضغوط، تحوّلت إسرائيل إلى ساحة ارتباك مفتوحة: استنفار بلا أفق، جاهزية بلا قرار، وتنسيق كامل مع واشنطن دون ضمانات حقيقية. أما إيران، فقد تعاملت مع التهديدات الأمريكية باعتبارها جزءًا من معركة نفسية مألوفة، لا تستدعي ردودًا انفعالية بقدر ما تتطلب ترسيخ الردع وتوسيع هامش المناورة.
في هذا السياق، لم تكن مزاجية ترامب عبئًا على إيران بقدر ما كانت عامل كشف لحدود القوة الأمريكية وتأثيرها على حلفائها، فإسرائيل، التي راهنت على حسم خارجي، وجدت نفسها أمام حقيقة صعبة: الحليف الأكبر قد يفاوض، يساوم، أو يتراجع، بينما "العدو" الذي طالما صُوّر كمنهك، يثبت أنه الأكثر تماسكًا في لحظات الاختبار.
وعليه، لم تخرج إيران من الأزمة أضعف، بل أكثر ثقة بقدرتها على إدارة الصراع بشروطها، فيما خرجت إسرائيل بأسئلة مفتوحة حول مستقبل ردعها، وحدود الاعتماد على واشنطن، ومكانتها في معادلة إقليمية آخذة في التحوّل.
الكاتب: غرفة التحرير