في الحروب الحديثة، لا تُخاض المعركة بالسلاح وحده، بل بالصورة والرواية والقدرة على تحويل الحدث إلى معنى. "إسرائيل"، بوصفها قوة احتلال تعتمد منذ عقود على التفوق العسكري والإعلامي معًا، تدرك هذه الحقيقة جيدًا. لكنها، كما في مرات كثيرة سابقة، أخطأت في تقدير المجتمع الذي تحاصره، وفي فهم الكيفية التي تُنتج بها غزة رموزها ومعانيها. ما أُريد له أن يكون مشهد إذلال، تحوّل إلى أيقونة مقاومة؛ وما صُمّم كأداة ردع نفسي، انقلب فعلَ تعبئةٍ مضادّة، كشف حدود القوة حين تصطدم بإرادة جماعية لا تملك ما تخسره.
حين أرادوا إذلال المقاومة، فصنعوا لها أيقونة جديدة
تعتمد الدعاية العسكرية في الدول الاستعمارية على فرضية بسيطة: الإنسان المحاصَر، إذا عُرض مكسورًا أمام الكاميرا، سينكسر من خلفه المجتمع بأسره. غير أن هذه الفرضية تفشل حين تتجاهل السياق الاجتماعي والسياسي الذي يُنتج معنى الكرامة. في غزة، حيث تحوّل الصمود إلى ممارسة يومية لا إلى شعار، لا تُقرأ صورة الأسير كما تُقرأ في مختبرات الحرب النفسية. تُقرأ بوصفها شهادة على ما تحمّله الجسد قبل أن يُلتقط له المشهد.
هنا، لا تعمل الصورة بوصفها أداة إخضاع، بل كدليل إدانة لمن التقطها. ومن المفارقات التي تفضح منطق القوة أن الاحتلال، حين قرّر عرض الأسير الفلسطيني في سياق مهين، إنما قدّم وثيقة إضافية على عجزه عن فرض نهايةٍ للرواية التي يحاربها.
لم يكتفِ الاحتلال بأسر القائد الفلسطيني هيثم العكر، بل تعمّد كسر القاعدة الأخلاقية التي تحكم معاملة الأسرى، فسلّمه إلى مجموعات عميلة لتصويره في مشاهد استعراضية مقصودة. لم يكن الهدف توثيق الأسر، بل تصنيع صورة إذلال تُستخدم كسلاح نفسي: ترهيب المقاومين، وتطبيع الخيانة، وتحويل العميل إلى شاهد قوة. غير أن هذا السلوك لم يكشف فقط هشاشة المنظومة الأخلاقية للاحتلال الإسرائيلي، بل فضح اعتماد الاحتلال المتزايد على وكلاء محليين في حربه على المعنى، لا على الميدان وحده.
هيثم العكر… جسد نحيل يهزم صورة الاحتلال
جسد هيثم العكر النحيل، الخارج من أشهر طويلة في الأنفاق، لم يكن صورة ضعف كما أُريد له، بل تلخيصًا مكثفًا لتجربة بشرية على تخوم الاحتمال. في هذا الجسد، تَظهر السياسة مجرّدة من ادعاءاتها: حصار، تجويع، ملاحقة، ثم أسر. لكن ما يغيب عن حسابات القوة أن الجسد، حين يُستنزف إلى هذا الحد ولا ينهار، يتحول إلى خطاب.
في أدبيات السيطرة، يُفترض أن يُنتج الإذلال خضوعًا. لكن في حالات الاستعمار الكلاسيكي، غالبًا ما يحدث العكس: يتحول الإذلال إلى رأسمال رمزي للمقهورين. صورة العكر لم تُضعف خطاب المقاومة، بل أعادت تعريفه: مقاومة لا تقوم على الاستعراض، بل على القدرة على الاستمرار. جسد بلا عضلات دعائية، يهزم آلة تصوير مدجّجة بسرديات النصر.
معادلة النفق والكمين: كيف تحافظ المقاومة على التهديد رغم الحصار
تحبّذ التحليلات السطحية اختزال الصراع في ثنائية السيطرة والفقدان: من يسيطر على الجو والأرض يملك النتيجة. غير أن التجربة الفلسطينية، ولا سيما في غزة، تُظهر أن السيطرة لا تعني الإخضاع. الأنفاق، بما هي بنية مادية، ليست سوى تعبير عن بنية سياسية أعمق: القدرة على إنتاج فضاء خارج منطق السيطرة الكاملة.
في معادلة النفق والكمين، لا تبحث المقاومة عن التفوق العسكري، بل عن استدامة التهديد. وهذا كافٍ، في حروب الاستنزاف، لتعطيل سردية الحسم. الخروج من النفق ليس نزهة بطولية، والبقاء فيه ليس خيارًا آمنًا. بين الجوع والقنص، تتحرك المقاومة في هامش ضيق، لكنها تحوّل هذا الهامش إلى مصدر قوة. الاحتلال، الذي يحتاج إلى صورة نهاية، لا يجد سوى بدايات مؤجلة.
من رفح إلى خان يونس: المعركة لم تنتهِ تحت الأرض ولا فوقها
تُصرّ "إسرائيل" على تسويق كل انتقال ميداني بوصفه نهاية فصل. رفح دُمّرت، إذن انتهت رفح. الأنفاق كُشفت، إذن انتهت الأنفاق. غير أن الجغرافيا في غزة لا تعمل بمنطق الخرائط العسكرية وحدها. ما بين رفح وخان يونس، لا تنتقل المعركة مكانيًا فحسب، بل تتكيّف اجتماعيًا.
الخروج من نفق في رفح، أو الانتظار في نفق آخر، ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من دينامية أوسع: مقاومة تُعيد الانتشار داخل مجتمعها، وتستند إلى حاضنة تعرف أن المعركة طويلة. هنا، تفشل فكرة "الضربة القاضية"، لأن الصراع لم يُبنَ أصلًا على منطق الجولة الواحدة.
كمينان يطيحان بشبكات العمالة للاحتلال
كما أعلنت قوة "رادع"، الجناح الميداني لأمن المقاومة في قطاع غزة، مساء الأحد، أنها نفذت كمينين منفصلين في مدينتي خان يونس وغزة، الكمينان، اللذان أسفرا عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف هذه العصابات، كشفا هشاشة هذا النمط من "الوكالة الأمنية"، حيث فرّ عناصر إحدى الخلايا تاركين أسلحتهم في موقع الاشتباك، فيما صودرت معدات عسكرية في الكمين الآخر، في مؤشر على أن العمل الاستخباري للاحتلال لا يعمل في فراغ، بل يواجه بيئة معادية قادرة على الرصد والتفكيك. إعلان "رادع" مواصلة ملاحقة هذه الشبكات، مقرونًا بالإشادة بالدعم الشعبي، يسلّط الضوء على معادلة غالبًا ما تتجاهلها القوة المحتلة: لا أمن بلا حاضنة، ولا اختراق بلا كلفة، ولا سيطرة ممكنة حين يتحول المجتمع نفسه إلى فاعل أمني مضاد.
الأنفاق ما زالت تنبض: لماذا فشل الاحتلال في كسر غزة
السبب الجوهري لفشل الاحتلال لا يكمن في نقص القوة، بل في فائضها. القوة حين تُستخدم بلا أفق سياسي، تتحول إلى أداة هدم بلا قدرة على البناء. "إسرائيل" دمّرت، قتلت، حاصرت، لكنها لم تُنتج بديلًا سياسيًا مقنعًا، لا لغزة ولا للعالم. وفي غياب البديل، يبقى الصراع مفتوحًا.
الأنفاق، في هذا السياق، ليست مجرد ممرات تحت الأرض، بل استعارة لحياة كاملة تُدار خارج شروط الهيمنة. ما دام في غزة مجتمع قادر على إعادة إنتاج ذاته تحت النار، فإن كل صورة إذلال ستظل قابلة للانقلاب إلى رمز. وما دام الاحتلال يراهن على الكسر بدل الفهم، فإنه سيخسر المعركة الأهم: معركة المعنى.
في النهاية، لم تخسر "إسرائيل" معركة صورة واحدة فحسب، بل خسرت رهانًا أوسع: رهان أن القوة قادرة على إنهاء رواية. غزة، مرة أخرى، تذكّر العالم بأن الروايات التي تُكتب باللحم والذاكرة لا تُمحى بالكاميرا ولا تُهزم بالدبابة.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]