الإثنين 02 شباط , 2026 03:35

باب المندب: عنق الزجاجة الذي يعيد تعريف الحروب غير المعلنة

باب المندب

باب المندب ليس مجرد شريط مائي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، بل عقدة جيوسياسية تتحكم بإيقاع التجارة العالمية وتدفقات الطاقة، ومؤشر مباشر على موازين النفوذ الإقليمي والدولي. عند هذا الممر الضيق، تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وتتداخل الحسابات الأمنية بالاقتصادية، لتتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط سياسي من الطراز الأول.

المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه عشرين ميلاً في أضيق نقاطه، تمر عبره يوميًا مئات السفن التجارية وناقلات النفط، القادمة من الخليج والمتجهة نحو أوروبا وأمريكا. أي تهديد لأمن هذا الممر لا يظل محصورًا في نطاقه الجغرافي، بل ينعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية، ويُعيد ترتيب أولويات الأمن القومي للدول المعنية. من هنا، لم يعد باب المندب مجرد ممر ملاحي، بل ساحة صراع غير معلن، تُدار فيه المنافسة عبر النفوذ، والقواعد اللوجستية، والاستثمارات المينائية، أكثر مما تُدار عبر المواجهة العسكرية المباشرة.

الخصوصية الأخطر لهذا الصراع تكمن في طبيعته غير المتكافئة. فمن جهة، تقف دول تمتلك أساطيل بحرية وقدرات عسكرية واقتصادية هائلة، ومن جهة أخرى فواعل محلية وجماعات مسلحة تدرك قيمة الموقع، وتستثمر هشاشة الجغرافيا السياسية لفرض معادلات ضغط على القوى الكبرى. في هذا السياق، تبرز حضرموت وسواحل اليمن بوصفها قلب هذا التوازن الدقيق؛ فهي لم تعد مجرد مساحة نفطية أو شريطًا ساحليًا مهملاً، بل نقطة ارتكاز حيوية في معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب.

حضرموت اليوم تمثل خط الدفاع الأول عن الملاحة الدولية في الجنوب العربي، وأي فراغ أمني فيها يتحول مباشرة إلى تهديد مفتوح لحركة السفن. من هنا جاءت محاولات ربط الأمن البحري بمشاريع اقتصادية وتنموية أوسع، على غرار الطروحات المتعلقة بمشروع قناة سلمان ومبادرات تهدف إلى تخفيف الضغط عن الممرات التقليدية. هذه المشاريع، وإن حملت أبعادًا اقتصادية، فإن رسالتها السياسية أوضح: المنطقة قادرة على التفكير بخيارات استراتيجية مستقلة، لا تكتفي بدور الممر العابر، بل تسعى إلى إعادة صياغة موقعها في معادلة التجارة العالمية.

ومع ذلك، فإن هذه الطروحات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها تحييد المخاطر. فالأمن البحري لا يُبنى بالمشاريع فقط، بل بتوازن ردع واضح، وتنسيق إقليمي فعال، وحضور بحري دائم قادر على منع تحوّل المضيق إلى ساحة ابتزاز أو تصعيد. أي خلل في هذا التوازن، أو تراجع في مستوى الحماية، يفتح الباب أمام تعطيل الملاحة، ويُعرّض السفن المدنية لهجمات أو تهديدات ذات طابع سياسي وأمني.

من منظور استراتيجي أوسع، لا يمكن فصل باب المندب عن مضيق هرمز. فهما يشكلان معًا سلسلة حرجة من الممرات المائية التي تقوم عليها منظومة أمن الطاقة العالمي. هذه السلسلة ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل أدوات نفوذ سياسي، حيث تصبح القدرة على تأمينها أو التأثير فيها معيارًا حاسمًا لمكانة الدول في الإقليم والعالم. لذلك، فإن أي دولة تطمح إلى دور مؤثر في الشرق الأوسط لا تستطيع التعامل مع هذه الممرات بوصفها تفاصيل ثانوية أو ملفات تقنية.

اليوم، ومع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي، يتحول باب المندب وحضرموت إلى نموذج عملي لفهم مفهوم "الأمن البحري الشامل"، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتكامل العسكرية مع الجغرافيا، في شبكة واحدة لا تحتمل الفراغ. أي خطأ في تقدير المخاطر هنا لن يبقى محليًا، بل سينعكس على النظام الاقتصادي العالمي بأسره، ما يجعل المضيق نقطة توتر قابلة للانفجار في أي لحظة.

في الخلاصة، إذا كان القرن الإفريقي يشكّل خاصرة الأمن البحري العربي، فإن باب المندب هو عقدة هذه الخاصرة. تأمينه، وحماية ممراته، وضمان استقرار حضرموت وموانئها، لم يعد خيارًا إقليميًا، بل ضرورة استراتيجية عالمية. تجاهل هذه الحقيقة ليس سوى دعوة مفتوحة لتراجع المصالح الإقليمية والدولية، وترك خطوط الملاحة الأساسية رهينة لقوى تدرك جيدًا قيمة الجغرافيا حين تُهمل السياسة.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور