الإثنين 02 شباط , 2026 04:04

رسائل ودعوات سرية… تكشف عمق ارتباط النخب بإبستين

سجلات جيفري ابستين تفضح النخب الغربية

بعد سنوات من محاولات النأي بالنفس وتقديم روايات عن علاقات عابرة أو سطحية مع جيفري إبستين، تعود الوثائق القضائية المسرّبة لتفتح واحدة من أكثر الملفات إحراجًا للنخب العالمية لا سيما الأميركية والغربية منها. فالإفراج عن ملايين الصفحات من السجلات المرتبطة بالملياردير المدان بجرائم جنسية أظهر تفاصيل صادمة عن جرائمه بقدر ما كشف عن حجم وعمق الشبكة الاجتماعية والمالية التي أحاطت به، والتي ضمّت أسماء لامعة في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا مثل دونالد ترامب وايلون ماسك. وفي مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، يتكشّف مشهد جديد يضع روايات كثيرين من أصحاب النفوذ تحت مجهر الشك والتدقيق.

النص المترجم:

قالوا إنهم لم يعرفوا جيفري إبستين جيدًا في الواقع. وإنهم اشمأزوا منه منذ البداية وإن ما جذبهم إليه كان ذكاءه أو حبه للعلم أو براعته في الأعمال. وإنهم لم يكونوا على علم بإساءته للنساء والفتيات. وإنهم ندموا بشدة على الارتباط به.

في السنوات التي تلت اعتقال إبستين عام 2019 ووفاته انتحارًا في سجن بنيويورك، سارع بعض أغنى وأقوى الشخصيات في العالم إلى النأي بأنفسهم عن الرجل المشين الذي كانوا قد تعاملوا معه في الأعمال، أو تناولوا العشاء معه في أماكن فاخرة، أو سافروا على متن طائراته الخاصة.

لكن تسريبًا بطيئًا للوثائق والكشف عن معلومات أخرى خلال الأشهر الماضية — بلغ ذروته يوم الجمعة مع نشر ما يقرب من ثلاثة ملايين صفحة من السجلات المتعلقة بإبستين — أبرز عمق وقوة واستمرارية علاقاته مع النخبة العالمية، ما يناقض أو يضعف سنوات من الإنكار الحذر.

حتى الآن، لم تغيّر الوثائق الجديدة بشكل جوهري الفهم العام لإبستين أو جرائمه. لكنها مليئة بالمراسلات الودية، والدعوات الحارة، والتشابكات المالية. وتُظهر هذه الوثائق مجتمعة كيف ازدهرت علاقات إبستين مع شخصيات في هوليوود و"وول ستريت" وواشنطن وعالم الموضة حتى بعد أن أصبح مُدانًا بجرائم جنسية عام 2008

في بعض الحالات، ألقت الوثائق الضوء بشكل أوسع على شركاء لإبستين كانت علاقاتهم به معروفة سابقًا. وفي حالات أخرى، كشفت علاقات ظلت مخفية لسنوات.

إيلون ماسك، أحد أغنى رجال العالم، كان قد نفى في السابق زيارة جزيرة إبستين الخاصة، بل صوّر قراره على أنه موقف مبدئي. ففي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في سبتمبر الماضي، كتب ماسك أن إبستين "حاول إقناعي بالذهاب إلى جزيرته ورفضت". لكن الوثائق التي نُشرت يوم الجمعة أشارت إلى أنه بدا في وقت ما متحمسًا للزيارة. إذ كتب ماسك في رسالة إلكترونية لإبستين في نوفمبر 2012: "أي يوم/ليلة ستكون أكثر حفلة جنونًا على جزيرتك"؟

وكتب ماسك يوم السبت في منشور آخر: "كان لدي القليل جدًا من المراسلات مع إبستين ورفضت دعوات متكررة لزيارة جزيرته أو السفر على متن طائرته المعروفة بـ لوليتا إكسبريس، لكنني كنت على دراية بأن بعض المراسلات عبر البريد الإلكتروني معه يمكن أن تُساء تفسيرها وتُستخدم من قبل منتقدين لتشويه سمعتي".

وفي بودكاست العام الماضي، وصف هوارد لوتنيك، وزير التجارة، زيارة في منتصف العقد الأول من الألفية إلى قصر إبستين في مانهاتن بأنها جعلته يشعر بالاشمئزاز الشديد لدرجة أنه قرر "ألا يكون في غرفة واحدة مع ذلك الشخص المقرف مرة أخرى".

لكن يبدو أن اشمئزازه كان مؤقتًا. ففي عام 2012، تبادل رسائل مع إبستين لترتيب زيارة مع زوجته وأطفاله إلى جزيرة إبستين الخاصة قبيل عيد الميلاد. ولاحقًا، أرسل مساعد لإبستين رسالة إلى لوتنيك جاء فيها: "سعدت برؤيتك".

كاثي روملر، المستشارة القانونية السابقة في البيت الأبيض خلال إدارة باراك أوباما والحالية في "غولدمان ساكس"، قالت إنها قدمت لإبستين خدمات قانونية ومهنية. لكن رسائل إلكترونية جديدة أظهرت أنها ناقشت أحلامًا مقلقة معه ورتبت لتسلّم هدايا باهظة الثمن منه.

وفي مراسلة عام 2013 مع الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون، بدا أنه هو الآخر كانت له علاقة ودية بإبستين. إذ كتب: "كان من الرائع حقًا رؤيتك أمس… في أي وقت تكون في المنطقة أحب أن أراك. بشرط أن تحضر فتياتك". وقال ممثل عن برانسون إن اللقاء كان تجاريًا، مؤكدًا أن النساء كن بالغات ولم يحضرن الاجتماع.

أما مستثمر العقارات في نيويورك أندرو فاركاس، وهو متبرع سياسي بارز وله علاقات مع حاكم نيويورك السابق أندرو كومو والرئيس ترامب، فقد شارك إبستين ملكية مرسى في سانت توماس لسنوات. وقال في رسالة للمستثمرين العام الماضي إن علاقته به كانت تجارية بحتة. لكن الوثائق الأخيرة أشارت إلى علاقة أكثر شخصية.

تبادل الرجلان رسائل فظة عن النساء في عام 2010، بعد أول اعتقال وإدانة لإبستين. وكتب فاركاس في رسالة عام 2018 أنه يحبه ويعدّه أحد أفضل أصدقائه، كما أقام في جزيرته، وأظهرت صور نشرها الكونغرس لاحقًا إبستين واضعًا يده على كتف فاركاس وهما يسيران معًا في منطقة استوائية. وقالت متحدثة باسم فاركاس في ديسمبر إن "تعاملاته مع إبستين كانت متعلقة بالكامل بالأعمال" وإنه "يندم على تلك العلاقة".

وفي أوائل العام الماضي، كتب المستثمر الملياردير بيتر ثيل مقالًا في "فايننشال تايمز" قال فيه إن إعادة انتخاب ترامب ستكشف أسرارًا حكومية حساسة من بينها ما يتعلق بوفاة إبستين. لكن في الأشهر التالية، كُشف أن شركة استثمار شارك ثيل في تأسيسها تلقت 40 مليون دولار من إبستين، وأن الرجلين تبادلا المراسلات لخمس سنوات على الأقل قبل وفاة إبستين.

وكتب إبستين له في 2018: "تعال زرني في الكاريبي". ورفض متحدث باسم ثيل التعليق على العلاقة، لكنه قال إن ثيل "لم يذهب إلى جزيرة إبستين".

وأظهرت شهادات ووثائق على مر السنوات أن استمالة إبستين لأصحاب النفوذ كانت جزءًا أساسيًا من إساءته للنساء. فقد كان يعرض صورًا له مع أصدقاء مشهورين في منزله بمانهاتن، حيث قد تراها الفتيات والشابات. وكان يجعلهن يستمعن إلى مكالماته الهاتفية، ويتباهى بمن يعرفهم وبما قد يحدث لضحاياه إن وقفوا ضده.

وفي بعض الأحيان، كان يصطحب ضحاياه إلى مناسبات اجتماعية يلتقين فيها بمعارفه من النخبة، وقدمت الوثائق الجديدة مزيدًا من الأمثلة. ففي شهادة عام 2007، قالت إحدى الضحايا — دون ذكر اسمها — إنها أُجبرت على زيارة جزيرة "ليتل سانت جيمس" الخاصة، وإن إبستين اعتدى عليها هناك. وأضافت أنها التقت هناك بسيرغي برين، المؤسس المشارك لـ "غوغل" وخطيبته آنذاك آن ووجيتسكي.

كما بدا أن إبستين لعب دور الوسيط بين رجال أثرياء ونساء شابات، ولم يُثِر وضعه كمجرم جنسي قلقًا يُذكر.

وفي أوائل العقد الثاني من الألفية، تعرّف إبستين إلى ستيف تيش، الشريك في ملكية فريق نيويورك جاينتس لكرة القدم الأميركية، واصفًا إياه في رسالة عام 2013 بأنه "صديق جديد لكن من الواضح أننا نتشارك الاهتمامات نفسها". وتعرّف تيش إلى امرأة شابة عبر أحد مساعدي إبستين، وفي رسالة أخرى، دعا إبستين تيش إلى قصره في ساعة متأخرة، فرد تيش: "هل أتوقع مشاكل"؟. فأجابه إبستين بأنه يمكنه دعوة الامرأة الروسية.

وقال تيش في بيان إن علاقته بإبستين كانت "قصيرة"، وأضاف: "كما نعلم الآن جميعًا، كان شخصًا فظيعًا وأنا نادم بشدة على الارتباط به"..

أما الملياردير في مجال الاستثمار الخاص ليون بلاك، فقد أصبح أكبر عملاء إبستين، إذ دفع له ما مجموعه 170 مليون دولار. وفي رسائل كان يطلق عليه فيها لقب "السيد الكبير".

وبعد وفاة إبستين، قال بلاك للمستثمرين إن علاقته به كانت مهنية بحتة وإنه كان يقدم له استشارات ضريبية وتخطيطًا للميراث. وأضاف: "كنت غير مدرك تمامًا لسلوكه، وأنا منزعج بشدة مما فعل".

لكن بلاك قام أيضًا بدفعات مالية لنساء كن في محيط إبستين. فقد تضمنت الوثائق الجديدة قائمة بمدفوعات من بلاك لعارضة أزياء سابقة مرتبطة بإبستين، وُصفت بأنها "هدايا"، وبلغ مجموعها أكثر من 600 ألف دولار.


المصدر: The New york Times

الكاتب: Nicholas Confessore




روزنامة المحور