الثلاثاء 03 شباط , 2026 03:32

ترامب في قلب ملف إبستين: اتهامات، بلاغات أمنية، وتحقيقات مفتوحة

ترامب ووثائق إبستين

عاد ملف جيفري إبستين إلى الواجهة مجدداً، ليس بوصفه قضية جنائية من الماضي فحسب، بل كواحد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في تاريخ الفضائح السياسية والقضائية في الولايات المتحدة. فمع ظهور وثائق غير مصنّفة، ومراسلات رسمية، وبلاغات مسجّلة لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي، تتكشّف طبقات جديدة من الاتهامات التي تطال شخصيات نافذة، وفي مقدّمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبين دعاوى قضائية أُسقطت لأسباب إجرائية، وبلاغات أمنية وُضعت قيد التقييم، وشهادات ضحايا لم تُحسم قانونياً، يطرح هذا الملف أسئلة ثقيلة حول حدود المساءلة، ودور النفوذ السياسي والمالي، وقدرة المؤسسات القضائية والأمنية على التعامل مع قضايا تمسّ أعلى مستويات السلطة.

تعود إحدى أولى الرسائل الموثّقة إلى مراسلات بريد إلكتروني مؤرخة في 28 نيسان/أبريل 2016، التي أظهرت طلباً رسمياً وجّهه مراسل وكالة رويترز للأنباء، ديفيد إنغرام، للحصول على تعليق قانوني من المحامي مارتن وينبرغ بشأن دعوى قضائية جديدة كانت قد رُفعت آنذاك أمام محكمة فدرالية في ولاية كاليفورنيا. وبحسب ما ورد في الوثيقة، فإن وينبرغ، الذي بدا أنه كان يمثّل جيفري إبستين قانونياً، أعاد توجيه الرسالة إلى موكله، مشيراً إلى أن مضمون القضية مرشّح للنشر خلال ساعات قليلة.

الدعوى المشار إليها تقدّمت بها امرأة استخدمت الاسم المستعار "كيتي جونسون"، وزعمت فيها أنها تعرّضت لاعتداء جنسي جماعي عام 1994، عندما كانت قاصراً في الثالثة عشرة من عمرها، من قبل جيفري إبستين ودونالد ترامب. وقد جاءت هذه الدعوى ضمن سلسلة محاولات قانونية أُطلقت خلال عام 2016 لإعادة فتح هذا الملف، إلا أن القضية الأساسية التي رُفعت في كاليفورنيا رُفضت لاحقاً لأسباب إجرائية. في المقابل، نفى دونالد ترامب تلك الاتهامات بشكل قاطع، واعتبرها مختلقة ولا تستند إلى أي أساس واقعي.

وفي تطوّر لاحق ضمن المسار القضائي نفسه، قامت المدّعية بإسقاط دعوى أخرى كانت مرفوعة في نيويورك، مبرّرة قرارها بتعرّضها لتهديدات خطيرة، من بينها تهديدات بالقتل، بحسب ما أفادت به في إفاداتها.

إلى جانب المسار القضائي، برز لاحقاً مسار أمني موازٍ، تمثّل في وثيقة غير مصنّفة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، تحمل رقماً مرجعياً خاصاً بالقضية. وتعود هذه الوثيقة إلى 9 تموز/يوليو 2020، وتفيد بأن المركز الوطني لعمليات التهديد التابع للمكتب استلم، قبل ذلك بيومين، بلاغاً إلكترونياً عبر الموقع الرسمي لتلقّي الشكاوى، يتعلّق مباشرة بملف "جيفري إبستين – الاتجار الجنسي بالأطفال".

ووفق البيانات التقنية الواردة في الاستمارة، فقد قُدّم البلاغ في 7 تموز/يوليو 2020، وسُجّل رسمياً برقم إلكتروني خاص، مع الإشارة إلى أن التقييم الأوّلي لم يرصد وجود تهديد مباشر على الحياة في تلك المرحلة. كما أظهرت المعلومات أن البلاغ أُرسل من عنوان بروتوكول إنترنت مرتبط بمدينة أكتون، مع تضمين تفاصيل تقنية عن المتصفح والموقع الجغرافي.

مضمون البلاغ تضمّن اتهامات مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتورّط في اعتداءات جنسية على قاصرات، في سياق أنشطة نُسب تنظيمها إلى جيفري إبستين وشريكته غيسلين ماكسويل. وادّعى مقدّم البلاغ أن تلك الأفعال وقعت خلال مناسبات وحفلات خاصة، من بينها فعاليات أُقيمت في منتجع مار-أ-لاغو في ولاية فلوريدا، وأن هذه المناسبات كانت تُدار بطريقة منظّمة، يُستقدم خلالها فتيات قاصرات.

وتضمّنت الاستمارة مزاعم عن حضور شخصيات سياسية واقتصادية معروفة، إضافة إلى ذكر أسماء محامين بارزين، وأفراد من عائلة ترامب، على أنهم كانوا متواجدين في بعض تلك المناسبات. كما أشار مقدّم البلاغ إلى أنه كان قاصراً عند وقوع الاعتداءات المزعومة، مؤكداً أنه يعاني حتى اليوم من آثار نفسية عميقة، من بينها اضطراب ما بعد الصدمة.

في تصنيفها القانوني، أدرجت استمارة مكتب التحقيقات الفيدرالي طبيعة المخالفات المزعومة ضمن عناوين "الفساد العام"، و"جرائم ذوي الياقات البيضاء"، و"انتهاكات الحقوق المدنية"، مع تحديد الجريمة الأساسية المبلغ عنها على أنها جرائم اعتداء جنسي بحق أطفال. كما ورد في الاستمارة ذكر أسماء شهود محتملين، من بينهم غيسلين ماكسويل، إضافة إلى الإشارة إلى علاقات وُصفت بأنها ذات طابع "عمل أو نشاط تجاري".

وفي سياق متصل، أشارت الوثيقة إلى ادعاءات خطيرة تفيد بأن عدداً من الضحايا المزعومات قد تعرّضن للتهديد أو الاختفاء، بل زُعم أن بعضهن لقين حتفهن في ظروف غامضة، وهي مزاعم لم تُحسم قضائياً حتى تاريخه. كما وردت إشارات إلى شكاوى سابقة قُدّمت إلى سلطات محلية في فترات سابقة، لكنها لم تؤدِّ حينها إلى ملاحقات حاسمة.

وتعزّز هذه المعطيات ما كشفته مراسلات وتقارير أخرى نُسبت إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتتحدّث عن تحقيقات أوسع نطاقاً تتناول شبكات محتملة لاستغلال القاصرات، امتدّت أنشطتها – وفق الشهادات – إلى مواقع مختلفة، من بينها جزيرة إبستين الخاصة، ومنشآت سياحية ورياضية، وفنادق ومنازل خاصة في ولايات عدّة، خلال الفترة الممتدة من منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى أوائل الألفية الثالثة.

وتفيد هذه التقارير بأن أعمار الضحايا المزعومات تراوحت بين 13 و16 عاماً، وأن بعضهن أُجبرن على المشاركة في أنشطة غير مشروعة تحت التهديد أو الإكراه. كما أشارت بعض الإفادات إلى وجود مواد مصوّرة يُشتبه بأنها وُثّقت خلال تلك الوقائع، وهو ما يخضع - بحسب الوثائق - للتحليل والتدقيق من قبل فرق مختصة في مكافحة الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال.

وتؤكد الوثائق أن التحقيقات لم تقتصر على شخص واحد، بل شملت شبكة أوسع من الأفراد، من بينهم سياسيون ورجال أعمال وشخصيات عامة، مع التأكيد على أن كثيراً من هذه الادعاءات ما زال في إطار التحقيق، ولم يصدر بشأنه أحكام قضائية نهائية.

في المحصلة، تكشف هذه الوثائق والمراسلات عن شبكة معقّدة من الادعاءات والبلاغات والتحقيقات التي ظلّت لسنوات عالقة بين القضاء والإعلام والمؤسسات الأمنية، دون أن تُحسم نهائياً بأحكام قضائية قاطعة. وبين النفي المتكرر من الأطراف المتَّهمة، وشهادات وبلاغات لم تُستكمل مساراتها القضائية، يظل ملف ترامب وإبستين مثالاً على قضايا النفوذ والسلطة حين تتقاطع مع العدالة، وعلى الحاجة المستمرة إلى تحقيقات شفافة ومستقلة تضع الوقائع أمام الرأي العام الغربي بكل وضوح.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور