الأربعاء 04 شباط , 2026 08:42

لغز «جزيرة المتعة»: هل كان جيفري إبستين مرتبطاً بالموساد؟

الموساد وجزيرة إبستين

منذ أن انفجرت فضيحة جيفري إبستين في وجه النخبة الأمريكية والعالمية، ظل اسم الملياردير الراحل مقترناً بطائرات خاصة، علاقات سياسية من الصف الأول، وجرائم جنسية مروعة وقعت على جزيرته الخاصة «ليتل سانت جيمس». غير أن الأسئلة التي تلاحقت بعد موته في زنزانته عام 2019 لم تتوقف عند حدود الجرائم الجنائية أو فشل منظومة العدالة، بل انزلقت سريعاً إلى منطقة أكثر حساسية: هل كان إبستين جزءاً من شبكة نفوذ استخباراتية لدولة أجنبية، وتحديداً إسرائيل؟

بحلول عامي 2025 و2026، ومع نشر وزارة العدل الأمريكية ملايين الصفحات من الوثائق القضائية واستمرار الضغط من أوساط سياسية — لا سيما داخل تيارات محافظة أمريكية وحركات ناجين من ضحايا إبستين — عاد هذا السؤال بقوة إلى النقاش العام. فبينما لم تظهر في هذه الوثائق «قائمة عملاء» ولا دليل قانوني على عملية ابتزاز ممنهجة تقودها دولة، فإنها كشفت في الوقت ذاته عمق شبكة العلاقات الشخصية والتجارية التي نسجها إبستين مع سياسيين ورجال أعمال في الولايات المتحدة وخارجها، وهو ما أعاد إحياء فرضيات قديمة عن دور يتجاوز كونه ممولاً غامض الثروة.
مصائد العسل
 أحد محاور هذه الرواية يدور حول فكرة أن جزيرة إبستين لم تكن مجرد مسرح لانتهاكات أخلاقية، بل ربما استُخدمت، بحسب بعض المحققين والصحفيين الاستقصائيين، كمصيدة كلاسيكية لجمع معلومات محرجة عن شخصيات نافذة عبر ما يعرف في عالم الاستخبارات بـ«مصائد العسل- Honey Trap». إلا أن أجهزة التحقيق الأمريكية، وعلى رأسها FBI ووزارة العدل، لم تصدر حتى إصداراتها الأخيرة ما يثبت قضائياً وجود عملية ابتزاز واسعة النطاق أو إدارة استخباراتية مباشرة لهذه الأنشطة، وإن كانت بعض المذكرات الداخلية تشير إلى أن إسرائيل طُرحت في سياقات تحليلية بوصفها «مصدر تأثير محتمل» لا أكثر.
يتعزز الشك لدى أنصار هذا الطرح عند الانتقال إلى شخصية غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين المقربة، وابنة قطب الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل. الأخير لطالما أحاطت به شبهات ثقيلة منذ وفاته الغامضة عام 1991 إثر سقوطه من يخته، وهي وفاة سجلت رسمياً على أنها حادث أدى إلى نوبة قلبية وغرق، لكن كتباً وتحقيقات — من بينها «Robert Maxwell, Israel’s Superspy» — نسبت إليه دوراً استخباراتياً لصالح إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي، وتحدثت عن مساهمته في كشف موردخاي فانونو عام 1986 بعد إبلاغ السفارة الإسرائيلية في لندن، وعن تورطه المزعوم في بيع نسخة «معدلة» من برنامج التجسس PROMIS مزودة بباب خلفي إسرائيلي. كما أن جنازته الرسمية في القدس بحضور رئيس الوزراء يتسحاق شمير والرئيس حاييم هرتسوغ ورؤساء استخبارات سابقين ظلت تُستحضر دائماً بوصفها دليلاً على علاقته الوثيقة بالمؤسسة الإسرائيلية.
في هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن إبستين، الذي قيل إنه قدم مساعدات مالية لماكسويل في الثمانينيات قبل أن يرتبط لاحقاً بابنته غيسلين، ربما كان جزءاً من شبكة علاقات غير رسمية امتدت عبر العقود. وتذهب شهادات منسوبة إلى أريه بن ميناشي، الذي يعرّف نفسه كعميل سابق في الموساد، إلى القول إن إبستين وغيسلين عملا لحساب الجهاز في تلك المرحلة، وأن إبستين كان يُرى داخل مكاتب ماكسويل بوصفه «أصلاً استخباراتياً». غير أن هذه المزاعم لم تُدعم بوثائق رسمية أمريكية أو إسرائيلية، فيما صرحت غيسلين ماكسويل نفسها بأنها لا تعتقد أن إبستين كان عميلاً للموساد.
من "إيهود باراك" إلى "مجموعة ميجا" الاستثمارية
الاهتمام الإعلامي تصاعد أيضاً حول العلاقة التي ربطت إبستين برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، بعد الكشف عن زيارات متكررة لمنزل إبستين في نيويورك وحتى في الجزيرة نفسها. باراك أقر بالعلاقة لكنه أكد أنها كانت ذات طابع تجاري وأكاديمي محض، نافياً أي صلة بأنشطة غير قانونية، في حين أظهرت وثائق قضائية لاحقة استمرار التواصل بين الرجلين لسنوات، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام التأويلات دون أن يحسمها قانونياً.
وتضاف إلى هذه الصورة علاقات إبستين بالملياردير الأمريكي ليس ويكسنر، المرتبط بـ«Mega Group» التي تضم رجال أعمال معروفين بدعمهم لإسرائيل، وهي شبكة استخدمت أيضاً لتعزيز فرضيات عن تداخل المال والسياسة والعمل غير الرسمي عبر الحدود.
نفي قاطع واتهامات بـ "نظريات المؤامرة"
في مواجهة هذا السيل من التكهنات، جاء الرد الإسرائيلي الرسمي حاداً. ففي يوليو 2025 نشر رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت تصريحاً عبر منصة «X» أكد فيه «بيقين 100 في المئة» أن إبستين لم يعمل قط لصالح الموساد أو إسرائيل، واصفاً ما يُتداول بأنه «كذب سخيف» و«موجة تشهير شرسة»، وذلك رداً على تصريحات إعلامية أمريكية — بينها تاكر كارلسون — لمح فيها إلى احتمال تورط حكومة أجنبية وأن الحديث عن هذا الاحتمال يجري إسكاتُه.
الإعلام الإسرائيلي، من جهته، تعامل مع هذه الروايات بوصفها نظريات مؤامرة ذات دوافع سياسية أو معادية للسامية، مركّزاً على غياب الأدلة القضائية وعلى السياق السياسي الأمريكي الداخلي، بما في ذلك التوترات المتعلقة بحرب غزة أو تأخير نشر ملفات إبستين. صحف مثل «هآرتس» و«تايمز أوف إسرائيل» و«جيروزاليم بوست» أعادت مراراً إبراز نفي بينيت، وربطت عودة هذه القصص بصراعات داخلية في الولايات المتحدة، لا سيما في أوساط تيارات محافظة غاضبة من طريقة تعامل وزارة العدل مع الوثائق.
في المقابل، بدت الصحافة الدولية الكبرى أكثر تحفظاً. فوسائل مثل «نيويورك تايمز» و«تايم» اكتفت بعرض الوقائع المثبتة — الزيارات، العلاقات التجارية، المراسلات — مع التشديد على أن هذه المعطيات لا ترقى إلى دليل على عملية استخباراتية، محذرة من الانزلاق إلى استنتاجات غير مدعومة قانونياً، ومذكّرة أيضاً بحساسية الاتهامات التي قد تُفسَّر على أنها ذات طابع معادٍ للسامية إذا لم تُسند بأدلة صارمة. وعلى الضفة الأخرى، أعطت منصات إعلامية بديلة مثل Electronic Intifada ومساحات في Substack أولوية أكبر للرواية الاستخباراتية، واعتبرت أن غياب الدليل العلني قد يكون بحد ذاته نتيجة لعملية إخفاء.
عميل أم "مقاول" استخباراتي
وفي خضم هذا السجال، تتعايش ثلاث قراءات أساسية لشخصية إبستين: إحداها تراه أداة مباشرة لجهاز استخباراتي أجنبي، وأخرى تعتبره وسيط نفوذ يبيع المعلومات لمن يدفع أكثر، وثالثة تضعه في خانة الملياردير الذي استغل علاقاته السياسية — بما فيها الإسرائيلية — لتأمين حماية غير رسمية من الملاحقة القانونية. وتضيف وثائق وزارة العدل الأمريكية المنشورة عام 2026 طبقة جديدة من التعقيد، إذ تظهر أن إبستين حاول في مراسلاته الاستعانة بأشخاص ذوي خلفيات استخباراتية إسرائيلية لإجراء تحقيقات خاصة به، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى ترجيح فرضية «العلاقة التعاقدية» على «التبعية التنظيمية».
خاتمة
في النهاية، يبقى موت جيفري إبستين في زنزانته عام 2019 هو الفصل الأكثر غموضاً، حيث يرى الكثيرون أن "انتحاره" المريب كان ضرورة أمنية لإغلاق صندوق أسرار قد ينسف علاقات استخباراتية دولية راسخة. فإذا كان إبستين بالفعل "خنجراً" للموساد في خاصرة واشنطن، فإن موته قد ضمن بقاء هذا الخنجر مغروساً دون الكشف عن يد من حركه. وسواء كان عميلاً رسمياً أو "صياد معلومات" لحسابهم، فإن ظلال جزيرته ستبقى تطارد النخبة السياسية كشاهد على حقبة تداخلت فيها شبكات الابتزاز الاستخباراتي بمتعة السلطة، تاركةً التساؤل قائماً: هل كان إبستين أكبر من مجرد مجرم، بل كان سلاحاً في حرب نفوذ صامتة؟

 
 

 

 


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور