الخميس 05 شباط , 2026 03:44

من هيرودس إلى إبستين: الوكلاء يصنعون التاريخ أكثر من الأباطرة

ملفات إبستين

عندما تُقرأ الإمبراطوريات من هوامشها لا من عناوينها، يتبدّل مركز الثقل في السرد. فالتاريخ لا تصنعه فقط القصور والجيوش، بل أيضاً الشخصيات الوسيطة التي تعمل بين العلن والظل، بين الشرعية والقوة العارية. في هذا المعنى، لا يبدو الربط بين هيرودس الكبير في العهد الروماني وملف جيفري إبستين في العصر الحديث تمريناً بلاغياً، بل مقاربة لفهم كيف تُدار السلطة حين تتآكل القواعد القانونية وتُستبدل بشبكات نفوذ غير رسمية.

هيرودس، "الملك العميل" لروما في يهودا، لم يكن حاكماً تقليدياً بقدر ما كان وظيفة سياسية. روما، التي أتقنت فن الحكم غير المباشر، احتاجت في مقاطعاتها الحساسة إلى شخص قادر على الجمع بين التناقضات: أن يبدو محلياً أمام شعبه، ورومانياً في ولائه، وبراغماتياً في قمع أي نزعة تمرّد. هذه الازدواجية لم تكن عرضاً جانبياً، بل جوهر الدور. هيرودس حكم باسم النظام، لكنه حكم أيضاً باسم الخوف، معتمداً على رعاية الإمبراطورية مقابل ضبط الإقليم.

إبستين: وكيل النفوذ في الإمبراطورية المعاصرة

في العصر الحديث، تغيّر شكل الإمبراطورية، لكن منطق الوكالة بقي. لم تعد السيطرة تُمارَس حصراً عبر الجيوش، بل عبر المال، المعلومات، والاستخبارات. هنا يبرز ملف جيفري إبستين، ليس فقط كقضية جنائية ذات أبعاد أخلاقية مروّعة، بل كنموذج لوكيل نفوذ يعمل عند تقاطع النخب السياسية والمالية والأمنية. الوثائق القضائية المسرّبة، التي كُشف عنها تدريجياً، أظهرت شبكة علاقات واسعة لا يمكن تفسيرها بمجرد المصادفة الاجتماعية أو الفضول الشخصي للنخب.

اللافت في هذه الوثائق ليس فقط حجم الأسماء الواردة فيها، بل نمط العلاقات: مراسلات ودية، دعوات متكررة، تشابكات مالية استمرت حتى بعد إدانة إبستين في عام 2008. هذا الاستمرار يطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لشخص مُدان بجرائم جسيمة أن يبقى جزءاً من دوائر النفوذ؟ الجواب، كما في روما القديمة، يكمن في الوظيفة لا في السيرة الشخصية. إبستين، بحسب ما تكشفه الوثائق والشهادات، لم يكن مجرد ثري منحرف، بل وسيطاً يملك ما هو أثمن في زمن الإمبراطوريات الحديثة: المعرفة الحساسة.

الأسرار كأداة حكم: من كابري إلى الجزر الخاصة لإبستين

التاريخ الروماني يقدم تشبيهاً إضافياً. الإمبراطور تيبريوس، حين اعتزل في جزيرة كابري، لم ينسحب من الحكم بقدر ما أعاد تنظيمه في فضاء مغلق. المصادر القديمة، مثل سويتونيوس، تحدثت عن ممارسات منحرفة وطقوس خاصة، لكن الأهم هو أن العزلة نفسها تحولت إلى أداة سلطة. من يملك أسرار النخبة، يملك مفاتيح التحكم بها. في النسخة المعاصرة، تحل الجزر الخاصة والطائرات الفاخرة محل القصور الإمبراطورية، وتتحول "المتعة" إلى فخ سياسي.

هذا السياق يسمح بفهم أوسع لكيفية استخدام ملفات من نوع إبستين في الصراعات السياسية. دونالد ترامب، مثلاً، لا يمكن فصله عن هذه البنية، ليس بالضرورة بوصفه فاعلاً مركزياً فيها، بل كسياسي يعمل داخل نظام ضغط متبادل. علاقته باللوبيات المؤيدة لـ" إسرائيل"، وبالقاعدة الإنجيلية التي ترى في "إسرائيل" ضرورة لاهوتية، تضعه في موقع شبيه بالأباطرة الرومان الذين احتاجوا إلى كهنة يمنحونهم الشرعية الدينية مقابل حماية المصالح. في المقابل، تتحول الملفات الحساسة إلى أدوات تذكير بحدود الحركة داخل الإمبراطورية.

الإمبراطورية اليوم: قانون معلّق ووكلاء فوق المساءلة

الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة. ما شهدناه في السنوات الأخيرة — من غزة إلى فنزويلا، ومن الشرق الأوسط إلى محاولات فرض السيطرة على مناطق استراتيجية مثل غرينلاند — يعكس خللاً أعمق في النظام الدولي. القاسم المشترك بين هذه الحالات هو تآكل القانون الدولي لصالح منطق القوة. في غزة، تُرتكب انتهاكات موثقة بحق المدنيين وسط عجز دولي فاضح. في فنزويلا، لم تعد العقوبات أداة كافية، فانتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، شمل اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، في مشهد يكشف انزلاق الإمبراطورية من الضغط السياسي إلى تقويض السيادة كليًا. أما الحديث عن السيطرة على غرينلاند، فهو مثال صارخ على عقلية إمبراطورية لا ترى في الجغرافيا سوى أصل قابل للتملك.

هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن بنية السلطة التي تسمح بوجود "وكلاء" فوق القانون. حين تُدار السياسة عبر شبكات غير رسمية، يصبح القانون الدولي عبئاً لا مرجعاً. وهنا تبرز المفارقة: الإمبراطوريات الحديثة ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تعتمد في ممارستها الفعلية على أدوات تذكّر أكثر بقصور روما منها بمؤسسات الدولة الحديثة.

المسألة اليهودية في روما القديمة تضيف بعداً تاريخياً آخر. في فترات معينة، منحت روما اليهود امتيازات دينية وقانونية، طالما ظلوا ضمن إطار الطاعة. لكن حين تحوّل الخلاف إلى رفض للهيمنة، انتهى الأمر بتدمير الهيكل والشتات. الدرس هنا ليس في المقارنة الأخلاقية، بل في فهم منطق الإمبراطورية: التسامح مشروط بالوظيفة. وفي السياق المعاصر، يمكن قراءة العلاقة بين الصهيونية السياسية والإمبراطورية الأميركية بوصفها علاقة توظيف متبادل، لا تحالفاً قيمياً.

في هذا السياق، لا يمكن فصل إعادة تفجير ملفات من نوع إبستين عن المأزق الأميركي الأوسع في مواجهة خصوم خارج منظومة الطاعة، وفي مقدمتهم إيران. فحين تعجز الإمبراطورية عن إخضاع الخصم الخارجي، تميل إلى تشديد أدوات التحكم داخل مركزها السياسي، مستخدمة المعرفة الحساسة والفضائح المؤجَّلة كآليات لضبط القرار ومنع أي انحراف استراتيجي.

الوكلاء لا يسقطون بسقوط الأباطرة

ما تكشفه تسريبات إبستين، في نهاية المطاف، هو أزمة بنيوية في النظام الغربي. ليست المشكلة في وجود أفراد فاسدين، بل في نظام يسمح بتراكم النفوذ خارج أي مساءلة حقيقية. حين تصبح المعرفة الخاصة أداة حكم، وحين تُستخدم نقاط الضعف البشرية لإدارة القرار السياسي، فإننا نكون أمام نموذج سلطة موازٍ، يعمل خلف واجهة الديمقراطية.

من هيرودس إلى إبستين، يتكرر الدرس نفسه: الأباطرة يغيّرون وجوههم، لكن الوكلاء يبقون. هم من يديرون التفاصيل، يضبطون الإيقاع، ويضمنون استمرار المنظومة حتى حين تتآكل شرعيتها. وفي عالم يشهد هذا القدر من الانتهاكات للقانون الدولي، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يحكم، بل كيف تُحكم الإمبراطوريات — وبأي ثمن إنساني وأخلاقي.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور