الخميس 05 شباط , 2026 03:58

قناة سلمان ومضيق هرمز: حيث يتقاطع الاقتصاد بالأمن والسياسة

قناة هرمز

قناة سلمان ومضيق هرمز ليسا مجرد خطوط مائية على الخرائط، بل يشكّلان قلبًا نابضًا لمعركة النفوذ الإقليمي والدولي. فهذا الممر البحري يمثل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة، ومرآة تعكس توازنات المنطقة، حيث تتشابك الحسابات الاقتصادية بالاستراتيجيات الأمنية والسياسية. أي اضطراب في أحدهما يترجم فورًا إلى ارتدادات على الأسواق العالمية، وإلى إعادة تموضع في موازين القوى بين الدول الكبرى والفاعلين المحليين.

تتجاوز مبادرة قناة سلمان كونها مشروعًا هندسيًا أو بنيويًا، إذ تندرج ضمن محاولة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للممرات البحرية، عبر خلق مسار بديل يخفف الضغط عن باب المندب، ويربط الخليج بالأسواق الأوروبية مرورًا بمضيق هرمز. ولا تقتصر أهمية القناة على النقل والبنية التحتية، بل تمتد إلى دورها الحيوي في حضرموت، التي تمثل نقطة ارتكاز لضمان مرور السفن وحماية الممرات الاقتصادية، ومنع تحويلها إلى ورقة ضغط في النزاعات الإقليمية.

يمثل مضيق هرمز إحدى أكثر نقاط الاختناق حساسية في منظومة الأمن البحري العالمي، إذ تمر عبره قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية. أي تهديد لأمنه لا ينعكس اقتصاديًا فحسب، بل يفرض تحديات سياسية وأمنية مباشرة على الدول المطلة عليه وعلى القوى الدولية المعنية باستقرار أسواق الطاقة. من هنا تبرز مبادرة هرمز للسلام، التي تسعى إلى دمج البعدين الاقتصادي والأمني، عبر ضمان حرية الملاحة وخفض منسوب المخاطر التي تهدد حركة السفن، ما يجعلها أداة سياسية بقدر ما هي مشروع استقرار اقتصادي.

وتتضح أهمية المسارات البديلة عند استحضار الأزمات السابقة في باب المندب والبحر الأحمر، حيث أدت الهجمات على السفن التجارية إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وإجبار شركات عالمية على تغيير مساراتها. في مثل هذه السيناريوهات، تبرز قناة سلمان كخيار استراتيجي يقلّص زمن النقل ويحدّ من الخسائر، ويمنح الدول المعنية هامش مناورة أوسع في مواجهة الأزمات البحرية الطارئة.

تعتمد هذه المقاربة على تعاون متعدد الأطراف، إذ تُعد السعودية والإمارات وسلطنة عُمان أطرافًا مركزية في بناء شبكة حماية اقتصادية وأمنية لهذا الممر، مع إمكانية انخراط العراق ضمن حدود مصالحه الجغرافية والاقتصادية. أي خلل في التنسيق، أو أي تصعيد أمني في حضرموت، قد يُحدث تأثيرات متسلسلة تتجاوز الإقليم، وتعيد إلى الواجهة نماذج الاحتكار البحري أو الابتزاز الجيوسياسي التي شهدتها المنطقة في مراحل سابقة.

أمنيًا، لا يمكن فصل القناة والمضيق عن طيف التهديدات الممتد من القرصنة والهجمات التي تنفذها جماعات محلية مسلحة، وصولًا إلى التوترات بين القوى الإقليمية. في هذا السياق، تتحول الممرات البحرية إلى خطوط تماس استراتيجية، حيث لا يقتصر الأمن البحري على حماية السفن، بل يصبح أداة نفوذ ووسيلة لإعادة توجيه العلاقات الإقليمية وفرض وقائع سياسية جديدة.

جيوسياسيًا، يعني التأثير في مضيق هرمز امتلاك قدرة غير مباشرة على إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط. فالربط بين قناة سلمان وباب المندب وموانئ حضرموت لا يشكل مجرد شبكة نقل، بل منظومة نفوذ متكاملة، تمكّن الدول المشاركة من تعزيز حضورها في التجارة العالمية، وترسيخ موقعها كلاعبين أساسيين في معادلات الأمن الإقليمي.

في المحصلة، لا تمثل قناة سلمان ومضيق هرمز مشروعين منفصلين، بل مكوّنين أساسيين في معادلة واحدة تعكس تحوّل المنطقة من ساحة عبور هشّة إلى فاعل مؤثر في أمن الطاقة والتجارة العالمية. الرهان هنا ليس على شق ممرات جديدة فحسب، بل على بناء توازن مستدام يربط التنمية الاقتصادية بالأمن البحري والسيادي. تجاهل هذا التحول يعني ترك مستقبل الممرات الاستراتيجية رهينة للأزمات، بدل تحويلها إلى أدوات استقرار وقوة في النظام الإقليمي.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور