الجمعة 06 شباط , 2026 04:27

ترامب بين الاستنزاف العسكري وفضائح السلطة

شخصيات البيت الأبيض متورطة في جرائم ابستين
مع بداية عام 2026، بدا أن الآمال في عام هادئ لواشنطن كما يدعي ترامب وأنصاره قد تبددت سريعًا. فقد شهدت الولايات المتحدة فترة ثانية للأخير، والتي أعادت إلى الحياة شكلاً من دبلوماسية القرن التاسع عشر المعتمدة على القوة العسكرية المباشرة والسريعة أو ما يعرف بدبلوماسية "الزوارق الحربية"، مما أدى إلى استنزاف غير مسبوق لقدرات البلاد.
خلال عامه الأول من الولاية الثانية، أمر ترامب بشن ضربات على أراضٍ أجنبية في سبع دول على الأقل: اليمن، الصومال، نيجيريا، سوريا، العراق، إيران وفنزويلا. هذا النشاط العسكري المكثف، الذي لم يحظ بمعظم الحالات بتفويض من الكونغرس، لم يكتف بتجاوز القانون، بل أرهق الجيش الأمريكي ونظامه الاستراتيجي، وجعل من واشنطن دولة تُجابه استنزافًا دائمًا في مواردها وأفرادها.
لكن التآكل الأخطر لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل الأميركي نفسه. فالتاريخ السياسي يثبت أن الفضائح الأخلاقية الكبرى لا تبقى محصورة في إطار الأشخاص المتورطين بها، بل تمتد لتصيب صورة الدولة برمتها، وتهز الثقة الشعبية بالمؤسسات، وتضعف القدرة على ممارسة النفوذ الخارجي. عندما تتورط شخصيات نافذة في قضايا استغلال أو فساد، فإن ذلك يُستخدم دوليًا كدليل على ازدواجية المعايير، ويحوّل الخطاب الأخلاقي الرسمي إلى مادة للسخرية والانتقاد.
في هذا السياق، أعادت فضائح جيفري إبستين إلى الواجهة شبكة علاقات ضمت سياسيين ورجال أعمال من الصف الأول، بينهم ترامب نفسه، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، وغيرهم من الشخصيات المرتبطة بالبيت الأبيض مثل ايلون ماسك وبيل غايتس. الحديث عن حضور هذه الأسماء في الجزيرة المعزولة التي ارتبط اسمها باعتداءات على قاصرات وأطفال فجّر موجة غضب عالمية حيث تداول به الآلاف مع صدمة لما وردت بداخله من صور ومقاطع مصورة، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، وحول مدى التناقض بين الخطاب الأميركي عن حماية الحقوق والحريات، وبين الممارسات الفعلية لمن يتصدرون السلطة.
عادةً ما تؤدي مثل هذه الفضائح في الدول الكبرى إلى ثلاثة آثار متراكبة: أولًا، ضرب الثقة الداخلية بالمؤسسات السياسية، ما يوسع الهوة بين المواطنين والسلطة. ثانيًا، إضعاف القدرة على تقديم الذات كقوة أخلاقية في النظام الدولي. وثالثًا، فتح المجال أمام الخصوم لاستخدام هذه القضايا لتقويض النفوذ السياسي والإعلامي للدولة المعنية.
من هنا، تبدو الولايات المتحدة في عهد ترامب عالقة في مفارقة صارخة. فهي الدولة التي لطالما نصّبت نفسها حارسًا للديمقراطية ومعلّمًا للعالم في قضايا الحقوق، لكنها اليوم تواجه اتهامات ثقيلة تطال قمة هرم السلطة، بالتزامن مع توسع عسكري مثير للجدل وتجاوزات قانونية في الخارج. هذا التناقض يضعف الرواية الأميركية التقليدية، ويمنح خصومها مادة دسمة لتأكيد أن خطاب القيم ليس سوى أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة.
إن اجتماع الاستنزاف العسكري مع الفضائح الأخلاقية يخلق صورة دولة مأزومة، لا تعاني فقط من تمدد جغرافي مكلف، بل من تصدعات داخلية عميقة في منظومة الحكم والنخب. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح السؤال المطروح ليس فقط عن مستقبل سياسة ترامب الخارجية، بل عن قدرة الولايات المتحدة نفسها على الحفاظ على موقعها القيادي في عالم بات أكثر تشككًا في ادعاءاتها الأخلاقية.

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور