تتناول هذه الدراسة بالتحليل العميق موقع القضية الفلسطينية ضمن تحولات كبرى يشهدها الإقليم العربي على المستويات الجيوسياسية والجيوستراتيجية والجيو-اقتصادية، وتنطلق من تفكيك مفاهيمي يميّز بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك والجيوستراتيجية، موضحةً كيف يتفاعل المكان والسياسة والاستراتيجية في تشكيل مسار الصراعات، وعلى رأسها الصراع العربي–الإسرائيلي.
تبيّن الدراسة أن الوطن العربي شكّل تاريخيًا الإطار الجغرافي الطبيعي للقضية الفلسطينية، إلا أن التحولات الدولية والإقليمية المتراكمة، خصوصًا منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، أدت إلى تغيّر أنماط التكيّف العربي مع البيئة الخارجية، بحيث تزايد وزن المتغيرات الخارجية على حساب المحددات الداخلية، وبرزت أنماط متعددة للتكيّف شملت الإذعاني، والمقاوم، والتعزيزي، والوقائي، وكان لكل منها انعكاس مباشر أو غير مباشر على مركزية فلسطين في السياسات العربية.
وتعرض الدراسة منهجية تحليلية تميّز بين الحدث، والاتجاه الفرعي، والاتجاه، والاتجاه الأعظم، لتوضيح كيف تحولت خطوات جزئية – مثل اتفاقيات السلام المنفردة والتطبيع – إلى اتجاهات بنيوية أسهمت في إعادة تشكيل أولويات الإقليم، ونقل بوصلة الصراع من فلسطين إلى ملفات وصراعات إقليمية أخرى، بما خدم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى.
كما تحلل الدراسة التحولات المفصلية لعام 1979 وما رافقها من أحداث كبرى، مثل الثورة الإيرانية، واتفاقية كامب ديفيد، والحرب العراقية-الإيرانية، وصعود الإسلام السياسي، وتوضح كيف تفاعلت هذه المتغيرات لتفكيك النظام العربي التقليدي، وإضعاف الدولة العربية المركزية، وفتح المجال أمام قوى إقليمية غير عربية – وفي مقدمتها "إسرائيل" – لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة على حساب القضية الفلسطينية.
ومن زاوية إسرائيلية، تبيّن الدراسة أن هذه التحولات قوبلت بتكيف استراتيجي إسرائيلي مركّب، تمثل في الانتقال من التركيز على السيطرة على الجغرافيا الطبيعية إلى إدارة الجغرافيا السكانية والديمغرافية، وضمان جوار إقليمي آمن، والسعي إلى لعب دور مركزي في تشكيل البنية الجيوسياسية والجيو-اقتصادية للشرق الأوسط، بما يخدم مشروع "إسرائيل الكبرى" بصيغتيه الأمنية والاقتصادية.
وتتوسع الدراسة في رصد مظاهر الانتشار الدولي والعسكري في الجغرافيا العربية، والصراع الإقليمي على الدولة المركزية، وتنافس القوى الإقليمية والدولية، لتخلص إلى أن الاتجاه الأعظم السائد يتمثل في تراجع مركزية فلسطين في النظام الرسمي العربي، مقابل تصاعد التطبيع، والتغلغل الإسرائيلي، وضبط الحركات الدينية، رغم ما أحدثه طوفان الأقصى من هزات في صورة إسرائيل الدولية دون أن يغيّر جذريًا مسار التكيّف العربي القائم.
وفي خلاصتها، تؤكد الدراسة أن مستقبل القضية الفلسطينية سيظل مرتبطًا بطبيعة التحولات الجيوسياسية والجيوستراتيجية في الإقليم، وأن استمرار غياب مشروع عربي مركزي جامع سيُبقي فلسطين في موقع التأثر لا التأثير، فيما ستواصل "إسرائيل" توظيف هذه التحولات لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، سواء عبر أدوات القوة الصلبة أو الناعمة.
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
الكاتب: أ. د. وليد عبد الحي