في كل جولة تفاوض أميركية–إيرانية يعود السؤال نفسه إلى الواجهة هل تسعى واشنطن فعلًا إلى تسوية سياسية، أم أنها تستخدم مسار التفاوض كغطاء لإدارة صراع أوسع قد ينتهي بالحرب؟ الجولة التي عُقدت في مسقط بتاريخ 7 شباط أعادت فتح هذا النقاش، خصوصًا في ظل أجواء التوتر والتصعيد، وتباين المواقف بين واشنطن وطهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
من زاوية إيرانية، يُقرأ الدخول الأميركي إلى طاولة المفاوضات باعتباره تراجعًا فرضته موازين القوى. فلو كانت الولايات المتحدة تشعر بأن خصمها في موقع ضعف حقيقي، لما قبلت أصلًا العودة إلى القنوات الدبلوماسية. وعليه، تُفسَّر المراوغة الأميركية على أنها محاولة لشراء الوقت، واستنزاف المسار السياسي، وانتزاع تنازلات تدريجية بدل الذهاب مباشرة إلى مواجهة مكلفة وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، بدا الموقف الإسرائيلي أكثر انزعاجًا من مسار مسقط. تل أبيب لا تخفي شكوكها حيال أي تفاهم مع إيران، وتدفع باتجاه إفشال المفاوضات أو التشدد في شروطها، انطلاقًا من اعتبارها أن أي اتفاق لا يُقيِّد القدرات الإيرانية بشكل جذري يترك لها هامش مناورة استراتيجيًا واسعًا في الإقليم. هذا التباين بين الحليفين يضع واشنطن أمام معادلة معقدة؛ المضي في التفاوض رغم الضغط الإسرائيلي، أو الانجرار إلى تصعيد لا تبدو كلفته السياسية والعسكرية بسيطة.
أما إيران، فتدخل النقاش وفق مجموعة ثوابت تعلنها بوضوح: حصر الحوار بالملف النووي دون غيره، رفض إدراج برنامجها الصاروخي أو علاقاتها الإقليمية على جدول الأعمال، المطالبة برفع العقوبات، والإصرار على حقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، مع إبداء مرونة محدودة عبر طرح فكرة إنشاء كونسرتيوم دولي داخل إيران نفسها. هذه النقاط تتناقض مع السقف الأميركي–الإسرائيلي الذي طالما ركّز على إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد، وتصفير التخصيب محليًا، وتقييد القدرات الصاروخية.
في هذا السياق يبرز سؤال القوة والتراجع فمن الذي بقي متمسكًا بمطالبه، ومن الذي اضطر إلى تعديل سقوفه؟ مجرّد انعقاد المفاوضات يوحي بأن الطرف المقابل يُحسب له حساب، إذ نادرًا ما تُفاوض الدول خصمًا تعتبره ضعيفًا أو قابلاً للكسر السريع. ومع ذلك، يبقى الحكم على نتائج الجولة مبكرًا، ولا يمكن الركون إلى تصريحات متفائلة تصدر عن الرئيس الأميركي، خصوصًا أن تجارب سابقة أظهرت فجوة واسعة بين الخطاب الإعلامي والمآلات الفعلية.
العامل العسكري يظل حاضرًا في خلفية المشهد. حيث حرصت إيران عشية انطلاق المحادثات، على إبراز قدراتها الصاروخية عبر الإعلان عن صاروخ خرمشهر 4 فرط الصوتي، في رسالة واضحة بأن التفاوض لا يعني التخلي عن عناصر الردع. كما أن الحشود الأميركية البحرية في المنطقة لم تبدُ كافية لإحداث تبدّل في الموقف الإيراني، ولا سيما بعد التجربة اليمنية التي نجحت في إسقاط طائرة "اف 18" في البحر الأحمر والتي كشفت حدود فعالية هذا النوع من الضغط. حتى الزيارات العسكرية رفيعة المستوى لم تغيّر من نبرة طهران أو شروطها المعلنة.
من هنا يتقدّم السؤال المركزي فهل تريد واشنطن الحرب فعلًا، أم أنها تسعى إلى تجنبها عبر التفاوض؟ المؤشرات السياسية توحي بأن إدارة ترامب، الساعية إلى تحقيق مكاسب ملموسة في الداخل مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التصفية في أكتوبر 2026، ليست في وارد خوض حرب طويلة ومفتوحة لا تضمن نتائج سريعة، وقد تستنزف الاقتصاد وتفاقم الانقسام الداخلي. هذا ما يفسّر نصائح مستشاريه بالميل إلى ضبط الإيقاع بدل إشعال مواجهة شاملة، في وقت تستمر فيه "إسرائيل" بالضغط لدفع الولايات المتحدة نحو خيار أكثر حدة.
خلاصة المشهد أن التفاوض والحرب ليسا خيارين منفصلين تمامًا في الحسابات الأميركية، بل ورقتان تُستخدمان معًا لزيادة النفوذ وتحسين شروط التفاوض. غير أن موازين الردع المتبادلة، وثبات الخطوط الحمراء الإيرانية، تجعل كلفة الحرب عالية وغير مضمونة، ما يفسّر استمرار واشنطن في طرق باب الدبلوماسية، ولو بقدر كبير من المراوغة والحذر. وفي انتظار ما ستؤول إليه الجولات المقبلة، يبقى الثابت الوحيد أن المشهد لم يدخل بعد مرحلة الحسم، وأن طاولة المفاوضات ما زالت، حتى الآن، ساحة الاشتباك الأساسية.
الكاتب: غرفة التحرير