لا تكمن المعضلة الأساسية في الصراع "الفلسطيني–الإسرائيلي" في غياب الحلول النظرية، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيق ما هو مُقرّ أصلًا في القانون الدولي. فالمشهد ليس فراغًا دبلوماسيًا بقدر ما هو امتلاء مُتعمد بخطابات تُستخدم لإدارة الصراع، لا لإنهائه. هنا، لا يكون السؤال المركزي: ما الحل؟ بل: من يملك مصلحة في بقاء الصراع مفتوحًا، ومن يدفع كلفة هذا البقاء؟
منذ عقود، يُقدَّم "حل الدولتين" بوصفه الإطار الوحيد المقبول دوليًا لتسوية الصراع، لكن هذا الإطار، كما يُمارس فعليًا، تحوّل إلى أداة خطابية تُستخدم لتجميد الواقع لا تغييره. فالدول التي تُجاهر بدعم هذا الحل نادرًا ما تُرفقه بأي شكل من أشكال الضغط الفعلي على "إسرائيل"، الدولة القائمة بالاحتلال، بل تكتفي بإعادة إنتاج الصيغة ذاتها في كل محطة دبلوماسية، وكأن التكرار بحد ذاته فعل سياسي.
إدارة الصراع بدل حلّه
في التحليل البنيوي، لا تُقاس السياسات بما تُعلنه، بل بما تُنتجه. وإذا ما نظرنا إلى مخرجات العقود الثلاثة الأخيرة، نجد أن "إسرائيل" واصلت توسيع الاستيطان، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتعميق نظام السيطرة والتمييز، في ظل غطاء سياسي دولي ثابت. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة لا يمكن تفسيره بالصدفة أو العجز، بل يشير إلى خيار استراتيجي واعٍ: إبقاء الصراع ضمن مستوى قابل للإدارة، من دون السماح بوصوله إلى حل نهائي يفرض كلفة سياسية على الطرف الأقوى.
الضغط، في هذه المعادلة، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جوهر السياسة. فالقانون الدولي، مهما بلغت وضوح نصوصه، لا يعمل تلقائيًا؛ إنما يحتاج إلى آليات إنفاذ. وحين يغيب الضغط، تتحول "الشرعية الدولية" إلى أرشيف أخلاقي لا أكثر، يُستدعى عند الحاجة الخطابية، ويُهمَل عند لحظة الفعل.
"حل الدولتين" كخدمة مجانية
المأزق الفلسطيني مع "حل الدولتين" لا يكمن في مضمونه النظري، بل في كيفية استخدامه سياسيًا. لقد بات هذا الحل، في صيغته الحالية، أشبه بـ"خدمة لفظية مجانية" تُقدَّم للفلسطينيين، فيما تُمنح "إسرائيل" الوقت والفرصة لاستكمال الوقائع على الأرض. الاعترافات الرمزية، والبيانات الداعمة، واللقاءات الدولية، كلّها تُنتج شعورًا زائفًا بالحركة، فيما الواقع يسير في اتجاه معاكس تمامًا.
هذا الاستخدام الأداتي للحل يُفرغه من مضمونه، ويحوّله إلى عنصر من عناصر إدارة الأزمة، لا أداة لإنهائها. فحين يُطرح الحل من دون أي استعداد لفرض ثمن على من يعرقله، يصبح جزءًا من المشكلة، لا من الحل.
غياب الشريك… حجة أم ذريعة؟
في كل الصراعات التي انتهت بتسويات تاريخية، لم يكن الحل نتيجة حسن نوايا الأطراف، بل نتيجة اختلال في ميزان الكلفة. جنوب أفريقيا لم تتخلَّ عن الأبارتيد لأن النظام العنصري اقتنع فجأة بعدم أخلاقيته، بل لأن كلفة استمراره أصبحت أعلى من كلفة تفكيكه.
في الحالة الفلسطينية، يحدث العكس تمامًا. فالاحتلال الإسرائيلي لا يدفع أي ثمن حقيقي مقابل استمرار الاحتلال، بل تُكافأ عليه: (تفوق عسكري مضمون، غطاء سياسي أميركي ثابت، اندماج اقتصادي وأمني مع الغرب، وتطبيع إقليمي متسارع).
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن "غياب الشريك الإسرائيلي" تضليلًا تحليليًا. فالمشكلة ليست في غياب الشريك، بل في غياب المُجبر. النظام الدولي لا يفتقر إلى الأدوات، بل يفتقر إلى الإرادة لاستخدامها حين يكون الطرف المُدان حليفًا استراتيجيًا.
من حل الدولتين إلى نظام الأبارتيد
مع تعذّر تجسيد حل الدولتين على الأرض، برز توصيف آخر للواقع: نظام فصل عنصري. هذا الوصف لم يعد حكرًا على الخطاب الفلسطيني أو الناشطين، بل تبنّته مؤسسات حقوقية دولية كبرى، استنادًا إلى معايير قانونية واضحة. غير أن الاعتراف بطبيعة النظام لم يترافق، مرة أخرى، مع الاستعداد لمواجهة تبعات هذا الاعتراف.
وهنا تتجلى المفارقة: يُقرّ المجتمع الدولي بوجود نظام تمييز ممنهج، لكنه يمتنع عن التعامل معه بالأدوات ذاتها التي استخدمها في حالات مشابهة تاريخيًا. السبب لا يعود إلى نقص في المعرفة، بل إلى حسابات القوة والتحالفات.
السلطة الفلسطينية ووهم السيادة
في هذا السياق، تبدو السلطة الفلسطينية ككيان إداري محدود الوظائف، يُستخدم لتخفيف كلفة الاحتلال لا لإنهائه. فهي تُقدَّم كـ"نواة دولة"، فيما تُجرَّد فعليًا من أي سيادة حقيقية. وجودها، بهذا المعنى، يُسهم في إدارة الواقع القائم أكثر مما يُسهم في تغييره، ما لم يُعاد تعريف دورها ووظيفتها ضمن مشروع وطني أوسع.
إعادة تعريف المشروع الوطني لا يمكن أن تتم من داخل البنية ذاتها التي أُنشئت لإدارة مرحلة انتقالية لم تنتهِ، بل عبر استعادة البعد التحرري للصراع، ونقل مركز الثقل من "الإدارة" إلى "المساءلة".
لماذا يُدار الصراع لا ليُحل؟
لأن حل الصراع، في صورته العادلة، يتطلب تفكيك منظومة مصالح، لا مجرد تعديل في الخطاب. يتطلب مواجهة حقيقة أن "إسرائيل" ليست "دولة مارقة" خرجت عن النظام الدولي، بل نتاجًا محميًا لهذا النظام.
ما دام الضغط غائبًا، وما دامت الكلفة صفرية، سيبقى الصراع مُدارًا، مضبوط الإيقاع، محدود الانفجار، لكنه بلا أفق حل. وما دام الفاعل الحقيقي خارج قفص الاتهام، سيبقى الضحية مطالبة بتبرير وجودها، وصمودها، ومقاومتها.
في النهاية، ليست المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لفرضها. وحين يغيب الضغط، لا يصبح السلام مستحيلًا فقط، بل يصبح غير مرغوب فيه داخل نظام عالمي يتقن إدارة الأزمات أكثر مما يسعى إلى إنهائها.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]