تتناول الدراسة أدناه واقع مسرح العمليات في الشرق الأوسط وتأثيره المباشر في توجيه تخطيط القيادة المركزية الأمريكية (USCENTCOM)، انطلاقًا من إدراك متزايد داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن البيئة الإقليمية تشهد تحولات بنيوية عميقة تجعل الافتراضات التقليدية حول الاستقرار، والردع، وإدارة الأزمات أقل قابلية للاستمرار. وترى الدراسة التي أصدرها مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع لقيادة الجيش الأمريكي، أن الفجوة بين "الشرق الأوسط المنشود" أمريكيًا و"الشرق الأوسط القائم فعليًا" آخذة في الاتساع، ما يفرض إعادة تقييم شاملة للتموضع العسكري والسياسي الأمريكي في المنطقة.
تنطلق الورقة من سياق استراتيجي عام فرضته استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، والتي تعكس توجهًا نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر، واعتماد ما تسميه الدراسة "دبلوماسية الصفقات" بدل التحالفات القيمية طويلة الأمد. غير أن هذا التوجه، بحسب الورقة، يضع القيادة المركزية أمام مفارقة حادة: فمن جهة تُطالَب بخفض الموارد والبصمة العسكرية، ومن جهة أخرى تُكلف بإدارة بيئة عملياتية شديدة التعقيد تشمل غزة، والملف النووي الإيراني، والتهديدات الإرهابية، والتغلغل الصيني والروسي المتزايد في المنطقة.
وتحدّد الدراسة عشرة اتجاهات إقليمية ناشئة، تُحلَّل ضمن إطار (الدبلوماسية، المعلومات، العسكر، الاقتصاد)، باعتبارها المحركات الرئيسية التي تعيد تشكيل مسرح العمليات. ففي المجال الدبلوماسي، تشير إلى صعود نمط جديد من الدبلوماسية الأمريكية قائم على الصفقات والضغط الاقتصادي، ما يولد "صدمات استراتيجية" سريعة لكنه يُضعف الثقة لدى الحلفاء، ويدفعهم إلى تنويع شراكاتهم والانفتاح على تكتلات بديلة مثل "بريكس". كما تسجّل تراجع الثقة بالأمم المتحدة بعد أزمات كبرى، خصوصًا في سياق حرب غزة، بما يقوض النظام الدولي القائم على القواعد.
وفي موازاة ذلك، ترصد الدراسة تحولات في ديناميات القوة الإقليمية، حيث لم يعد الشرق الأوسط ساحة نفوذ أمريكي شبه حصري، بل بات مسرح تنافس متعدد الأطراف. فروسيا تعمّق حضورها العسكري والسياسي، والصين توسّع نفوذها الاقتصادي والتقني، وفاعلون إقليميون وغير دولتيين يعتمدون مقاربات أكثر جرأة، ما يزيد من سيولة التوازنات ويحدّ من قدرة واشنطن على الضبط والتحكم.
أما في المجال المعلوماتي، فتؤكد الورقة أن الحرب لم تعد محصورة في البر والبحر والجو، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي بوصفه "ساحة قتال سادسة". وتشير إلى ظاهرة تسليح المعلومات، حيث تُستخدم حملات التضليل، والذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق لتقويض الثقة، وإرباك المجتمعات، وإضعاف الحكومات، مع ما تسميه الدراسة "السمنة المعلوماتية" الناتجة عن فيض السرديات المتنافسة. كما تحذّر من تصاعد التجنيد الإلكتروني للتنظيمات المتطرفة، التي نجحت في تعويض خسائرها الميدانية عبر الفضاء الرقمي.
وفي البعد العسكري، تسلط الدراسة الضوء على انتقال الولايات المتحدة من دور "ضامن الأمن" إلى "مُكامل أمني"، أي تقليص الوجود المباشر مقابل تمكين الشركاء الإقليميين. غير أنها تحذّر من أن هذا التحول يجري في وقت تتصاعد فيه تهديدات غير متماثلة لم تُعالج بشكل كافٍ، أبرزها انتشار الطائرات المسيّرة الرخيصة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي أثبتت قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع التقليدية وكسر التفوق النوعي الأمريكي. كما تبرز مخاوف عميقة من الشراكات النووية الإيرانية–الروسية، والدعم الصيني غير المعلن لبرامج الصواريخ الإيرانية، وما يحمله ذلك من مخاطر انتشار نووي يصعب احتواؤه لاحقًا.
وفي المجال الاقتصادي، ترى الدراسة أن الشرق الأوسط بات جزءًا من نظام اقتصادي تعددي تنافسي، حيث تتقاطع مبادرات صينية كـ"الحزام والطريق" مع محاولات أمريكية لإعادة تثبيت النفوذ عبر استثمارات ضخمة وصفقات طاقة ودفاع. كما تشير إلى انتقال طاقوي مجزّأ، مع سعي دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ما يعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية ويؤثر في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
وتخلص الدراسة إلى أن هذه الاتجاهات مجتمعة تضع القيادة المركزية الأمريكية في وضع بالغ الحساسية، حيث إن الاستراتيجية الحالية -القائمة على بصمة عسكرية أصغر وقوات رد سريع- قد تمنح الخصوم هامشًا أوسع للمبادرة. وتؤكد أن الردع الفعّال يتطلب قدرة موثوقة على خوض حملات طويلة الأمد، لا مجرد إدارة أزمات ظرفية، مع ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من القوة الذي يضمن حرية الحركة الأمريكية في مسرح العمليات.
وفي خاتمتها، تتبنى الورقة نبرة تجمع بين التفاؤل الحذر والاستعداد للأسوأ، معتبرة أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا والأنظمة الذكية لن يعوّض وحده عن تراجع الاستثمار في العنصر البشري. وتشدّد على أن مستقبل القدرة الأمريكية في الشرق الأوسط سيظل رهينًا بمدى نجاح واشنطن في موازنة الانكفاء مع متطلبات الردع، وفي فهم التحولات العميقة التي تعيد تشكيل طبيعة الصراع والحرب والنفوذ في المنطقة
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر: مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية