حين يُستعاد تاريخ الحضارة الفارسية يظهر على نحو لافت مدى الثقافة السياسية التي تميزع فيها حيث قامت على التخطيط طويل الأمد، وإدارة التحديات بمرونة، وتقديم العقلانية على الاندفاع. هذا النمط انعكس على طبيعة ما ولدته تلك الحضارة من نتاج ثقافي وفكري ظل حيًا حتى اليوم، أبرز رموزه لعبة الشطرنج، التي انتقلت إلى العالم كله، لتصبح النموذج الأشهر لمحاكاة الحرب والسياسة بعقل بارد وحسابات دقيقة.
يُعرف في الشطرنج، أن المعركة لا تُكسب بضربة واحدة، بل عبر التمركز، استنزاف الخصم، التضحية المرحلية، إخفاء النوايا، وبناء التفوق خطوة خطوة. وهي المبادئ ذاتها التي اعتمدتها الإمبراطوريات الفارسية القديمة في إدارة رقعتها الواسعة حيث استعملت حنك السياسة والدبلوماسية حين يكون ذلك أقل كلفة من المواجهة المفتوحة.
هذا الإرث الاستراتيجي يجد صداه حتى اليوم في سلوك ونمط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تتقن فنون التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات حسب خصوصيات المرحلة.
الدبلوماسية كامتداد للعقل الاستراتيجي
في ميدان التفاوض، برزت شخصيات إيرانية عُرفت بطول النفس والخبرة التقنية والسياسية، مثل وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي شارك في جولات تفاوض معقّدة حول ملفات حسّاسة، وظهر فيها حرص طهران على تحسين شروطها تدريجيًا، وعدم تقديم تنازلات مجانية، وتحويل الضغوط إلى أوراق تفاوض.
هذا الأسلوب لا يقوم على المواجهة الخطابية وحدها، بل على قراءة دقيقة لتوازن القوى الدولية، والانقسامات داخل المعسكرات المقابلة، والتحولات في المزاج الأميركي أو الأوروبي، بما يسمح لطهران بالمناورة بدل الاصطدام المباشر.
إدارة التصعيد
في المقابل، لا ينحصر الأداء الإيراني في المسار الدبلوماسي، بل يمتد إلى طريقة إدارة الأزمات العسكرية والسياسية. ففي لحظات المواجهة مع الكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة، تعتمد طهران على مبدأ التحكم بدرجة التصعيد عبر إرسال رسائل قوة محسوبة، اختيار توقيت الإعلان عن القدرات، أو الاكتفاء بردود محدودة بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ويُستشهد في هذا السياق بالحرب القصيرة التي امتدت اثني عشر يومًا، والتي اتسمت باستخدام تكتيكات مدروسة، وتوازن بين إظهار الجهوزية العسكرية وبين تجنب فتح حرب إقليمية واسعة. هذا النمط يعكس عمل العقلية الايرانية التي تضع الخطوات بحنكة.
القدرات كورقة ضغط
أحد العناصر المركزية في هذه الاستراتيجية يتمثل في كيفية التعامل مع عناصر القوة، مثل البرنامج النووي والتخصيب. فبدل توظيف هذه الأوراق بشكل نهائي، تُبقيها طهران ضمن هامش قابل للتصعيد أو التهدئة، بحسب تطور المفاوضات والضغوط، ما يمنحها مساحة للمناورة ويحوّل القدرات التقنية إلى أدوات تفاوض بقدر ما هي أدوات ردع.
في المحصلة، تظهر إيران كدولة تتعلّم من تراكم التجارب التي تمثلت في العقوبات العديدة على كافة القطاعات، مواجهات غير مباشرة، ضغوط دبلوماسية وعسكرية، كلها ساهمت في صقل عقلية سياسية ترى في الأزمات فرصًا لإعادة التموضع لا مجرد تهديدات.
ومن رقعة الشطرنج إلى طاولات التفاوض الدولية، ظهرت فكرة إدارة الصراع بالعقل البارد، وبناء المكاسب على مراحل، وتحويل عناصر الضعف إلى أوراق قوة خيطًا ناظمًا في المسار الإيراني الذي لطالما اقتنص الفرص في ظل الحصار.