الأربعاء 11 شباط , 2026 03:28

مبادرة هرمز للسلام: مقاربة مؤسساتية لتعزيز أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي

مضيق هرمز

يظل مضيق هرمز محورًا أساسيًا في الجغرافيا الاقتصادية والسياسية العالمية. فمروره أكثر من خمس صادرات النفط العالمية يمنحه أهمية تتجاوز الأبعاد الإقليمية لتؤثر مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. وفي ظل هذا الواقع، تنطلق مبادرة هرمز للسلام كإطار مؤسساتي يهدف إلى تعزيز الأمن البحري وربطه بالتنمية الاقتصادية والتعاون الإقليمي، بما يحوّل المضيق من نقطة توتر محتملة إلى عنصر استقرار استراتيجي.

تنطلق المبادرة من مبدأ أساسي مفاده أن أمن الممرات البحرية لا يمكن تحقيقه بمعزل عن البيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة بها. وعليه، فهي لا تقتصر على تأمين الملاحة في مضيق هرمز، بل تقترح إدماجه ضمن شبكة أوسع من المسارات البحرية والبرية، تمتد باتجاه سواحل حضرموت واليمن وصولًا إلى ميناء عدن ومضيق باب المندب، مع الأخذ في الاعتبار مشاريع مكملة مثل قناة سلمان. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد على نقاط اختناق جغرافية منفردة، بما يسهم في الحد من تأثير الأزمات الإقليمية على حركة التجارة الدولية.

من الناحية الاقتصادية، تمنح المبادرة فرصة لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد المرتبطة بتجارة الطاقة والبضائع الاستراتيجية. كما تبرز الموانئ الواقعة على القرن الإفريقي، مثل ميناء عصب الإريتري وميناء بربرة في أرض الصومال، كنقاط ربط محتملة بين الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر البحر الأحمر. ويسهم هذا الامتداد الجغرافي في خفض المخاطر التشغيلية المرتبطة بالاضطرابات الأمنية، وتحويل الأمن البحري إلى عامل داعم للاستثمار وتطوير البنية التحتية الإقليمية، بما يعزز التنمية المستدامة ويخلق فرصًا متكاملة للتعاون الإقليمي.

تعكس المبادرة مقاربة تشاركية لإدارة التحديات المرتبطة بأمن الملاحة، تقوم على إدراك المصالح المتداخلة للدول المطلة على المضيق، بما في ذلك دول الخليج وإيران، ضمن إطار مسؤولية جماعية تؤكد أن استقرار الملاحة لا يتحقق من خلال الغلبة أو الإقصاء. ويصبح المضيق في هذا السياق مرفقًا حيويًا تحكمه قواعد تفاهم تحترم السيادة الوطنية وتضمن حرية الملاحة، وتبعد الاقتصاد عن مسارات التوتر السياسي، مع إبقاء الدور الدولي داعمًا للاستقرار العام، وليس محركًا له.

عند وضع مبادرة هرمز للسلام ضمن سياق أوسع، تتقاطع أهدافها مع مشاريع إقليمية أخرى، مثل مشروع طريق التنمية العراقي أو قناة سلمان. ويعكس هذا الترابط تصورًا استراتيجيًا يهدف إلى إنشاء شبكة نقل ولوجستيات متكاملة، تعزز الترابط بين الشرق والغرب وتوزع المخاطر بدل تركيزها في نقاط محددة.

يمثل تطوير حضرموت كمركز لوجستي إقليمي أحد المسارات العملية للمبادرة، نظرًا لموقعها الجغرافي وقدرتها على الربط بين مسارات الطاقة والتجارة العالمية. ويسهم الاستثمار في بنيتها التحتية وتطوير موانئها في تعزيز الاستقرار الاقتصادي المحلي، وخلق فرص تنموية، وتوفير أدوات إضافية لإدارة الأزمات الإقليمية بوسائل اقتصادية وتنموية غير تصادمية.

تقدّم مبادرة هرمز للسلام نموذجًا مؤسساتيًا متكاملًا، يدمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى. وهي تسعى إلى تحويل المضيق من نقطة توتر محتملة إلى عنصر توازن واستقرار، بما يحقق مصالح الدول الإقليمية ويعزز الأمن البحري بوصفه ركيزة للتنمية والاستقرار المستدام على المستوى الإقليمي والدولي.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور