يمثّل الصراع بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأمريكية، أحد أكثر المواجهات الجيوسياسية تعقيدًا واستمرارًا في العصر الحديث. وعلى عكس الحروب التقليدية بين الدول المتنافسة، يجسد هذا الصراع تفاعلًا هجينًا يعكس في آنٍ واحدٍ كلًا من الحرب المتكافئة وغير المتكافئة. فقد طورت إيران، في مواجهة قوة عظمى عالمية متفوقة تكنولوجيًا، استراتيجية عسكرية وسياسية متعددة المستويات تُمكّنها من تعويض أوجه القصور التقليدية مع الحفاظ على عناصر الردع التقليدي. فيمزج النهج الإيراني بين الصمود الأيديولوجي، والتكيف التكنولوجي، والجغرافيا الاستراتيجية، في عقيدة متماسكة مصممة لتحدي النفوذ الأمريكي دون إثارة مواجهة مباشرة كارثية. ويتطلب فهم الصراع الإيراني الأمريكي دراسة كيفية تداخل الحرب المتكافئة وغير المتكافئة، وكيف قامت إيران ببنية استراتيجيتها عمدًا حول هذه الازدواجية.
وتشير الحرب المتكافئة عادةً إلى الصراعات التي تمتلك فيها الأطراف المتنازعة قدرات عسكرية متقاربة وتنخرط في أشكال حرب تقليدية نسبيًا. فأمريكا - بوصفها القوة العسكرية الأكثر تقدماً في العالم - تعتمد اعتماداً كبيراً على تفوقها التكنولوجي والاستخباري، وقدراتها على نشر القوات عالمياً، وهيمنتها البحرية، وأنظمة الضربات الدقيقة. في المقابل، لا تستطيع إيران منافسة الولايات المتحدة من حيث الانتشار العسكري العالمي، أو التفوق الجوي، أو القوات التقليدية واسعة النطاق. لذلك استثمرت إيران بكثافة في مجالات مختارة من الحرب المتكافئة، لا سيما في تكنولوجيا الصواريخ والمسيّرات، والدفاع الجوي، وقدرات منع الوصول البحري، والحرب السيبرانية. فهذه القدرات تُمكّن إيران من إنشاء جيوب ردع تقليدية تُعقّد التخطيط العملياتي الأمريكي.
لذلك تؤكّد العقيدة العسكرية الإيرانية على الصمود والتحمل كعنصرين أساسيين في الحرب غير المتماثلة. ويدرك الاستراتيجيون الإيرانيون أن الولايات المتحدة غالبًا ما تعتمد على حملات عسكرية سريعة وحاسمة مصممة لتحقيق أهداف سياسية بسرعة. في المقابل، تتبنى القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية منظورًا طويل الأمد قائمًا على الاستنزاف والصبر الاستراتيجي. ومن خلال توزيع الأصول العسكرية، وبناء منشآت تحت الأرض، وتطبيق اللامركزية في هياكل القيادة، تهدف إيران إلى الصمود أمام الضربات الأولية وإطالة أمد الصراع.
البرنامج الصاروخي
يُعدّ برنامج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات، أحد أهم عناصر التطور العسكري الإيراني المتكافئ وأكثرها تحقيقاً لإنجازات إعجازية نظراً للحصار الذي واجهته الجمهورية الإسلامية طوال 47 عاماً.
فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، طوّرت إيران واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ وأكثرها تنوعاً في غربي آسيا، بل في بعض أجيال الصواريخ تمكّن الإيرانيون من تصنيع ما قلّ نظيره في العالم، أما على صعيد المسيّرات فتفوقت إيران في صنع نماذج ذات قدرات عسكرية فتاكة بكلفة إنتاجية مناسبة، وباتت محل تقليد من قبل أمريكا نفسها.
وتُمكّن هذه الصواريخ والمسيرات إيران من ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك المنشآت في الخليج الفارسي، وربما أبعد من ذلك. وتركز عقيدة الصواريخ والمسيرات الإيرانية على الدقة، والقدرة على البقاء، وتكتيكات الانتشار الكثيف. فقد ركزت القوة الجوفضائية التابعة لحرس الثورة الإسلامية على بناء مدن صواريخ تحت الأرض ومنشآت إطلاق محصنة لضمان القدرة على توجيه ضربة ثانية. ومن خلال الحفاظ على قدرتها على إلحاق أضرار جسيمة بالقوات الأمريكية والبنية التحتية للحلفاء (كما حصل مع الكيان المؤقت خلال حرب الـ 12 يوماً)، تسعى إيران إلى خلق شكل من أشكال الردع الاستراتيجي الذي يقترب من الحرب المتكافئة.
نظام الدفاع الجوي
يُعدّ نظام الدفاع الجوي عنصرًا أساسيًا آخر في التوازن لدى الجمهورية الإسلامية، إدراكًا منها لحجم التحدي الكبير أمام القوة الجوية الأمريكية. لذلك تم الاستثمار بكثافة في أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، تجمع ما بين التكنولوجيا المصنّعة محلياً والتكنولوجيا الأجنبية. وتهدف أنظمة مثل باور-373 والنسخ المطورة من المنصات القديمة إلى زيادة تكلفة العمليات الجوية ضد الأراضي الإيرانية. ورغم أن هذه الأنظمة قد لا تُحيد التفوق الجوي الأمريكي تمامًا، إلا أنها تزيد بشكل كبير من المخاطر العملياتية وتقلل من احتمالية شنّ حملات جوية سريعة وحاسمة كتلك التي شنتها الولايات المتحدة في العراق أو ليبيا. ويعزز هذا التوازن الجزئي استراتيجية إيران الأوسع نطاقًا القائمة على منع الوصول بدلًا من تحقيق نصر حاسم.
المجال البحري: عقيدة هجينة بين الكلاسيكي وحرب الغوار
أما في المجال البحري، فانتهجت إيران نهجًا هجينًا يمزج بين التكتيكات المتناظرة وغير المتناظرة. فالأسطول الأمريكي يهيمن على العمليات في أعالي البحار، بينما تركّز إيران على السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي. وتؤكد العقيدة البحرية الإيرانية على استراتيجيات منع الوصول ومنع الوصول إلى المنطقة (A2/AD) من خلال بطاريات الصواريخ الساحلية، وزوارق الهجوم السريع، والألغام البحرية، والغواصات، وتكتيكات الهجوم الجماعي. وتستغل هذه التكتيكات نقاط ضعف الأساطيل التقليدية الكبيرة العاملة في المياه الضيقة.
وتستطيع هذه القدرات خلق حالة من عدم اليقين، وزيادة التكاليف التشغيلية، وتعطيل حركة الملاحة البحرية، وتهديد إمدادات الطاقة، وفرض تكاليف اقتصادية واستراتيجية باهظة، والأهم: تقويض فكرة مناعة الولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال تحويل الميزة الجغرافية إلى قوة عسكرية، تُضيّق إيران الفجوة بين الحرب المتكافئة وغير المتكافئة.
عمليات الحرب الإدراكية
ومن الأبعاد الحاسمة الأخرى لاستراتيجية إيران غير المتماثلة، هو الاستخدام المركّز لوسائل الحرب النفسية والمعلوماتية والإعلامية. حيث تستثمر الجمهورية الإسلامية بكثافة في شبكات الإعلام، وتوجيه الرسائل الاستراتيجية، وتنفيذ العمليات السيبرانية المصممة للتأثير على الرأي العام الإقليمي وتقويض الشرعية الأمريكية. فمن خلال تصوير تبيين أبعاد وحقائق المواجهة مع أمريكا، تسعى إيران إلى حشد الدعم المعنوي من كل الأحرار حول العالم.
وتوفر العمليات السيبرانية، بما في ذلك الهجمات على البنية التحتية وشبكات المعلومات، لإيران أدوات منخفضة التكلفة نسبيًا لممارسة الضغط على خصومها مع الحفاظ على غموض استراتيجي.
الكاتب: غرفة التحرير