الجمعة 13 شباط , 2026 07:14

تعتيم مقصود حول نتائج الزيارة :هل عاد نتنياهو فارغ اليدين من واشنطن؟

جاءت زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة كاختبار سياسي مركّز للعلاقة مع الإدارة الأميركية -كما يحب أن يسميها بعض الصحفيين الاسرائيليين- في لحظة تتزايد فيها تعقيدات المشهد في المنطقة خاصة بما يتعلق الملف الإيراني داخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية. اذ أن قُصر الزيارة وحدّة طابعها العملي، إضافة إلى الغياب شبه الكامل للمظاهر الإعلامية التقليدية، شكّلت عناصر دالة على أن اللقاء لم يُرَد له أن يأخذ حيزاً بروتوكولياً كبيراً.

صحيفة إسرائيل هيوم العبرية وصفت اللقاء بأنه "الأكثر غرابة"، في إشارة إلى غياب المؤتمرات الصحفية المشتركة وصور المصافحة والرمزية السياسية المعتادة. هذا الانضباط الإعلامي لا يمكن فصله عن إدراك متبادل بأن العلاقة الأميركية الإسرائيلية باتت أكثر تعقيداً في الداخل الأميركي، وأن أي ظهور احتفالي قد يعيد إنتاج السجال المزمن حول حدود التأثير الإسرائيلي في واشنطن.

خلف هذا الهدوء، كان الملف الإيراني هو محور النقاش الفعلي. حيث خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتأكيد استمرار المسار الدبلوماسي مع طهران، وهو ما يعكس رغبة أميركية في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، حتى في ظل تصاعد خطاب الردع. بالنسبة لنتنياهو، هذه الإشارة لا تحمل طمأنة، لأنها تعني عملياً أن واشنطن لم تنتقل بعد إلى مقاربة حاسمة توازي مستوى القلق الإسرائيلي.

المعضلة الأساسية بين الطرفين تتعلق بتعريف "التهديد". حيث تميل الإدارة الأميركية إلى حصر الأولوية في منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية مباشرة، بينما ترى تل أبيب أن المشكلة تكمن في بنية القوة الإيرانية التي تشمل الصواريخ الباليستية، و"شبكات النفوذ" الإقليمي، وقدرة طهران على إدارة الصراع عبر حلفائها في لبنان واليمن والعراق وفلسطين. أي اتفاق لا يتعامل مع هذه المنظومة يبقى، وفق التصور الإسرائيلي، تسوية مؤقتة لا أكثر.

المخرجات السياسية الأهم للزيارة تكمن في حدود قدرة نتنياهو على التأثير داخل واشنطن اليوم. تشير تقديرات خبراء أميركيين إلى تفاوت ملحوظ بين أولويات الرجلين، ليس فقط بسبب ضغوط الانقسام الحزبي الأميركي حول إسرائيل، وإنما أيضاً بسبب تآكل الدعم الشعبي غير المشروط، خاصة داخل الحزب الديمقراطي. حتى في أوساط تقليدية مؤيدة لإسرائيل، تتزايد النظرة إلى نتنياهو بوصفه عامل استقطاب داخلي يضعف القدرة الأميركية على تقديم دعم تلقائي.

بالتالي، لم يظهر أن نتنياهو استطاع فرض شروط على ترامب أو دفعه إلى التزام عسكري مباشر، على الأقل وفق ما أظهرته التصريحات والمعلومات القليلة التي صدرت حول نتائج الزيارة. أقصى ما سعى إليه يتمثل في تثبيت هامش تحرك إسرائيلي مستقل ضد إيران إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. هذا البعد يحمل أهمية خاصة، لأنه يعكس انتقال إسرائيل من محاولة قيادة القرار الأميركي إلى محاولة تحصين خيار العمل الأحادي.

الصحيفة العبرية ذهبت إلى توصيف اللقاء بوصفه أقرب إلى "مجلس حرب"، مع ترجيح أن إطالة زمن المحادثات تعكس نقاشاً جدياً حول السيناريو العسكري. هذا الاستنتاج يرتبط بتقدير إسرائيلي متصاعد بأن طهران قد تستخدم التفاوض كأداة لكسب الوقت، بالتوازي مع إعادة بناء قدراتها الدفاعية وتعزيز حضورها الإقليمي.

المخاوف الإسرائيلية التي طُرحت في التحليلات الأميركية تتوزع على ثلاثة محاور -وفق الصحيفة-: احتمال تسريع البرنامج النووي في حال تعثر التفاهمات، إعادة تشكيل شبكة الدفاع الجوي الإيراني بما يصعّب أي ضربة مستقبلية، واستمرار الدعم الإيراني لحزب الله والقوات المسلحة اليمنية والفصائل العراقية المسلحة. هذه الملفات تشكل، في الرؤية الإسرائيلية، منظومة تهديد مترابطة لا يمكن تفكيكها عبر اتفاق نووي محدود.

بالتالي، فإن المشهد الأخير الذي صدرته المنظومة الاعلامية التي تابعت تفاصيل الزيارة يتلخص برغبة واشنطن الحفاظ على الدبلوماسية كخيار أول، بينما ترفع إسرائيل سقف الشروط وتبحث عن ضمانات ضمنية للتحرك، فيما يبقى احتمال التصعيد قائماً كخيار يتقدم كلما تآكلت جدوى المسار التفاوضي.


الكاتب:

مريم السبلاني

-كاتبة في موقع الخنادق.

-ماجستير علوم سياسية.




روزنامة المحور