يعتبر الانسحاب النهائي الامريكي في 11-2-2026 من قاعدة التنف، وتسليمها للفرقة 54 التابعة للجيش السوري، بداية النهاية لحقبة من الصراع على سوريا ونهاية لحرب المنطقة الرمادية التي خاضتها الولايات المتحدة الامريكية ضد إيران وروسيا في سوريا من عدة قواعد بنتها واشنطن في شرقي وشمالي شرق سوريا منذ العام 2014. وتربعت قاعدة التنف على رأس تلك القواعد، التي ظلت لعقد ونيف القاعدة الأمريكية الأهم في سوريا لعدة أسباب أهمها أنها كانت مركز العمليات الأمريكية الرئيسي في سوريا.
اعتمدت واشنطن من خلال هذه القواعد على وجود عسكري محدود العدد (حوالي 1000 جندي في عموم سوريا حينها) لتحقيق أهداف كبيرة، من خلال استثمار منخفض التكلفة بمردود استراتيجي عالٍ مقارنة بما أنفقته القوى الأخرى في الصراع السوري.
لمحة عامة عن قاعدة التنف
تقع قاعدة التنف في منطقة صحراوية استراتيجية ومنعزلة في أقصى جنوب شرق محافظة حمص السورية، عند مثلث الحدود السورية-العراقية-الأردنية. تبعد حوالي 24 كيلومتراً غرب معبر "التنف-الوليد" الحدودي، وتتربع على الطريق الدولي السريع الواصل بين بغداد ودمشق.
تنبع أهميتها من كونها نقطة تحكم برية حيوية؛ فهي تشكل عازلاً يقطع طريق الإمداد البري الاستراتيجي الذي يربط طهران بدمشق وبيروت عبر بغداد. كما تحيط بها منطقة "فض نزاعات" بقطر 55 كيلومتراً، أقيمت بموجب تفاهم أمريكي-روسي عام 2016 لمنع الصدام، وهي منطقة حماية للقاعدة لا يسمح بالاقتراب منها، وأي نشاط ضمنها يعتبر عمل عدائياً تتصدى له القاعدة الأميركية. شكلت ملاذا آمنا ومسرحاً عملياتيا للولايات المتحدة الأميركية بإدارة نشاط داعش في المنطقة وخصوصا من مخيم الهول .
عملت القاعدة كمركز عسكري للتحالف الدولي لعمليات مكافحة تنظيم "داعش"، إلا أن معظم زوارها والمتدربين فيها كانوا من قيادات داعش الذين كانت تنقلهم القوات الامريكية من معتقلات "قسد" في دير الزور والحسكة حيث عملت القاعدة أيضاً كمركز تدريب وتوجيه لفصائل المعارضة السورية المسلحة، مثل "جيش سوريا الحرة" (مغاوير الثورة سابقاً) وغيره. كما عملت كنقطة مراقبة وإنذار مبكر تخدم المصالح الأمنية لإسرائيل والأردن.
بدأ العمل الأمريكي الفعلي في التنف عام 2016، بعد طرد تنظيم "داعش" من المنطقة. تحولت القاعدة بمرور الوقت من مجرد موقع تدريب إلى مركز عسكري استراتيجي، يضم ما بين 100 إلى 200 جندي أمريكي، بالإضافة إلى قوات من بريطانيا والنرويج، ومئات المقاتلين من الفصائل المحلية.
خلال هذه المرحلة، اعتبرت قاعدة التنف مركز التخطيط لمعظم العمليات التي تعرض لها الجيش السوري وحلفاؤه في دير الزور والبادية السورية. وتعرضت القاعدة لهجمات متعددة بمسيرات وصواريخ من جهات وُصفت بأنها حركات مقاومة معادية للوجود الامريكي في المنطقة، كما شهد محيط التنف احتكاكات جوية وبرية مع القوات الروسية وقوات النظام السوري السابق التي حاولت مراراً اختراق منطقة الـ 55 كم.
هذا الوجود الامريكي الطويل في القاعدة انتفت أسبابه بعد سقوط النظام السوري السابق وانطلاق حركة التطبيع الشامل بين النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع (ابو محمد الجولاني) وواشنطن حيث انحسر النفوذ الروسي في المنطقة ليتركز في الساحل السوري في قواعد (طرطوس – جبلة – اللاذقية). كما انسحب حلفاء سوريا كإيران وحزب الله وفصائل المقاومة العراقية من عموم سوريا مما ألغى أهداف الوجود الامريكي في قاعدة التنف وأصبح هذا الوجود بلا وظيفة وبلا دور.
توجد أسباب جديدة ترتبط بالترتيبات الأمنية الأمريكية – السورية الأخيرة تطبيقاً لدخول النظام السوري الجديد في التحالف ضد داعش. سمحت سوريا بموجبها للأمريكيين بإشغال قواعد قرب دمشق رغم نفي السلطات السورية معلومات مسربة عن أن الامريكيين مهتمون بقاعدة المزة الجوية جنوب غرب دمشق إلا أنها لم تنفي الاخبار عن نية الامريكيين الاستفادة من القواعد العسكرية المتاخمة للعاصمة.
يضاف إلى ذلك أن قاعدة التنف الموجودة في قلب الصحراء تعتبر هدفاً سهلاً لصواريخ ومسيرات إيران وحلفائها في محور المقاومة بعد أن أكدت التجربة استهداف القاعدة بسهولة وبشكل قاتل عدة مرات في السابق أهمها عام 2021 وعام 2024 خلال حرب الاسناد بعد عملية طوفان الاقصى 2023. لذا فإن الانسحاب الامريكي من قاعدة التنف قد يكون خاضعاً للإجراءات التي تنفذها القيادة الامريكية الوسطى في منطقة عملياتها والتي تفرغ بموجبها مواقع وقواعد امريكية ضعيفة التأمين والدفاع في المنطقة يمكن استهدافها وتدميرها من إيران ومن قوى محور المقاومة في حال اعتدت الولايات المتحدة الامريكية على إيران وقامت الأخيرة بالرد على القواعد الامريكية إما وحيدة أو بمساندة من محور المقاومة.
صيغة البيان الامريكي الصادر بعد 24 ساعة من إكمال الانسحاب من التنف حمّال أوجه حول نهائية الانسحاب أو أنه خطوة مؤقتة. ففي نص البيان المقتضب أنه: "أكملت القيادة المركزية إنسحاب القوات المنظم من قاعدة التنف في سوريا في 11 فبراير/شباط وذلك في إطار عملية انتقال مدروسة ومشروطة تقوم بها قوة المهام المشتركة الموحدة - عملية العزم الصلب".
حيث أن عبارة "في إطار عملية انتقال مشروطة" الواردة في البيان تفسر بأنها مرتبطة إما بنجاح الانتشار العسكري السوري في خدمة المصالح الامريكية أو بموضوع التهديد الايراني. وهذا ما يضع علامة استفهام على الهدف المستقبلي بعد الانسحاب من التنف.
مستقبل مشروع "ممر داوود"
يُعرّف "ممر داوود" بأنه مشروع إسرائيلي يسعى لإنشاء شريان جيوسياسي بَري يربط الجولان المحتل بمناطق سيطرة الأكراد (قسد) في شمال شرق سوريا، وصولاً إلى إقليم كردستان العراق. يمر هذا الممر المفترض عبر درعا، السويداء، التنف، ودير الزور، ليخلق قناة برية استراتيجية لدولة الاحتلال في قلب غرب آسيا.
إن من أهم التهديدات التي تطل برأسها هو تهديد قيام العدو بتوسيع مجال ممر داوود إلى المنطقة التي لا تبعد كثيراً عن شرق منطقة النفوذ الإسرائيلي في المحافظات الجنوبية (القنيطرة – درعا – السويداء) الفراغ الذي يخلقه الغاء المنطقة الآمنة التي فرضها الامريكيون حول قاعدة التنف بعمق يبلغ قطره 53 كيلومتراً وهذا العمق يقترب كثيراً من ريف السويداء الشرقي التي تسرح فيه داعش بنفس القدر الذي تسرح فيه ضمن البيداء السورية وهذا الانسحاب قد يثير أطماع الكيان المؤقت وتنظيم داعش وربما النظام الاردني لملئ الفراغ، بعد تخفف الأمريكي من المسؤولية عما يجري في شرق سوريا بالتدريج.
هناك رؤيتان متناقضتان حول تأثير الانسحاب الأمريكي على مشروع "ممر داوود":
أولاً: وجهة نظر ترى في الانسحاب "عائقاً" أمام المشروع حيث يصطدم الممر بعوائق كبيرة تفرضها دول الجوار؛ فتركيا تعارض بشدة أي ممر يصل إلى "قسد" لأنها تعتبرها تهديداً لأمنها القومي، كما يرفض العراق وسوريا (التي تسعى لتأمين حدودها) هذا النوع من المشاريع التي تهدف لتجزئة المنطقة. فمع توجه واشنطن للتقارب مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة "أحمد الشرع" بهدف استعادة سيادة الدولة، لن تتخلى دمشق عن فكرة "سوريا الكبرى" الموحدة التي يؤيدها ويدافع عنها توماس باراك "المفوض السامي" الأمريكي في سوريا بقوة، وسترفض سوريا بناء لهذا الدعم الامريكي إنشاء أقاليم ذاتية أو ممرات عرقية تضعف المركز. سعت سوريا بنظامها الجديد لبسط نفوذها التام على الأراضي السورية، ولكن التسويات الدولية والإقليمية هي التي تساعدها على ذلك، في الجنوب اصطدمت بالأطماع الصهيونية وتوصلت لتفاهم واتفاقية رغم عدم صدور بنودها الا ان الوقائع تظهرها. ورغم التطمينات الأميركية والرسائل الداعمة لقسد إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال بعد التوصل لتفاهم أميركي-تركي-إسرائيلي، ترجم بتحجيمها بل إلغاءها عمليا وحسر القضية بالمكون الكردي، إسوة بالدرزي والعلوي.
تأتي خطوة الانسحاب من قاعدة التنف والانتشار الرسمي السوري فيها بالتزامن مع "تخلي" واشنطن عن وكلائها في الشمال الشرقي والجنوب لمصلحة اندماجهم وتعزيزهم دور السلطة المركزية في دمشق، مما قد يضطر إسرائيل إلى "وقف مؤقت" لطموحاتها في امتصاص أراضٍ جنوبي سوريا.
ثانياً: وجهة نظر ترى في وضعية التنف الحالية أنها تمهيد للتقدم في مشروع "ممر داوود" فالانسحاب الامريكي قد لا يعني نهاية المشروع، بل "إعادة تموضع" للقوى؛ مما قد يسمح للكيان المؤقت باندفاعة عسكرية ثانية شبيهة بالاندفاعة الأولى التي بدأها جيشه في 12-12-2024 ضد النظام السوري الجديد عندما اندفع شرقاً ليحتل منطقة فصل القوات عام 1974 ليضم جبل الشيخ ويتمدد باتجاه القنيطرة ودرعا والسويداء ليصبح نفوذه غير بعيد عن التنف وامتداداتها التي تصل إلى ريف دير الزور الشرقي والغربي. حيث أنه وتحت حجة التوسع بالممر قد يقوم العدو عسكرياً وعلى غرار نجدة السويداء باندفاعة لمحاولة تغيير موازين القوى التي حصلت الشهرين الماضيين والتي أدت إلى تراجع قسد ودفعها إلى أقصى الشرق لتتقوقع في منطقة صغيرة شمال شرق محافظتي دير الزور والحسكة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن "ممر داوود " قد يكون في خلفية السعي الصهيوني لربط الأكراد في تحالف يعزل الجنوب عسكرياً ويشق ممر نفوذ عبر التضاريس المتصدعة. يحتاج هذا السيناريو إلى لحظة مناسبة، قد تكون أمريكية أو اقليمية، فالظروف القائمة حالياً لا تسمح به.
وبينما يُنظر إلى قاعدة التنف كنقطة ارتكاز حيوية في هذا المسار الجغرافي، إلا أن الانسحاب الأمريكي منها في سياق تسليمها للسلطات السورية المركزية قد يساهم في تقويض المشروع بدلاً من تسريعه، بالرغم من امكانية المغامرة الصهيونية، خاصة مع المعارضة الإقليمية الشرسة من تركيا والعراق ودمشق.
استنتاجات
1)انتقلت واشنطن من استراتيجية "اقتصاد القوة" عبر وكلاء محليين وقواعد نائية لإنهاك الخصوم (إيران وروسيا)، إلى استراتيجية "الرعاية السياسية" للنظام السوري الجديد.
2)الانسحاب ليس تخلياً عن النفوذ بقدر ما هو إعادة تموضع؛ حيث تشير المعطيات إلى اهتمام أمريكي بقواعد أكثر حيوية (مثل المزة أو محيط دمشق) ضمن ترتيبات أمنية مع النظام الجديد.
3)فقدت القاعدة أهميتها كـ "قاطع طريق" للإمداد الإيراني، نظراً لانسحاب القوى الإيرانية وفصائل المقاومة من سوريا.
4)تحول العبء الأمني لحماية القاعدة في منطقة صحراوية مكشوفة أمام المسيرات والصواريخ إلى "كلفة" تفوق "المردود"، مما عجل بقرار الانسحاب لتفادي خسائر بشرية أمريكية.
5)انتهاء الدور الوظيفي للقاعدة بإدارة نشاط داعش في سوريا بعد عملية نقلهم الى العراق، وكذلك مخيم الهول.
6)تخفيف كلفة التغطية والحماية مع تعزيز القواعد في الأردن والعراق، والاستفادة من التشكيل والخبرة لنقلها الى القواعد الأميركية المنتشرة في المنقطة (الأردن، العراق، تركيا، والمشاريع في سوريا).
7)إعادة التموضع الأميركية تحاكي بعض الدراسات[1] التي قدمت تصوّرا لإدارة الساحة السورية-العراقية، مع مفاضلة التخلي عن سوريا لصالح العراق، وتعزيز دور الأميركي في الأردن وتركيا. حالياً مع المشروع الأميركي في سوريا والقواعد المخططة في المزة، تصبح قاعدة التنف غير ذات جدوى أو فائدة مع تعزيز المواجهة في الجمهورية الإسلامية.
8)يضع الانسحاب المشروع الإسرائيلي لربط الجولان بكردستان العراق أمام سيناريوهين متناقضين:
أ)سيناريو التعطيل: عودة سيادة الدولة السورية المركزية بدعم أمريكي، ورفض إقليمي (تركي-عراقي) لتقسيم المنطقة، قد يجهض المشروع الإسرائيلي.
ب)سيناريو الفرصة: الفراغ الأمني المؤقت قد يغري الكيان الإسرائيلي بتكرار اندفاعة 2024 العسكرية للتوسع شرق السويداء ودرعا لفرض الممر كأمر واقع، مستغلاً ضعف "قسد" وتراجعها.
9)استخدام مصطلح "عملية انتقال مشروطة" في بيان القيادة المركزية يترك الباب مفتوحاً لعودة التدخل الأمريكي. هذا يشير إلى أن تسليم القاعدة للجيش السوري هو "اختبار" لقدرة النظام الجديد على ضبط الأمن وحماية المصالح الأمريكية، وليس انسحاباً نهائياً غير قابل للمراجعة.
10)احتمالية ترك الساحة لنشاط مواجهة وإعادة تشكيل الكوريدور الطائفي ضمن تعزيز التقارب بين اردوغان -خميس الخنجر-الشرع.
11)الانسحاب يعتبر سقوط للمنطقة الرمادية فهو ينهي حقبة العمليات العسكرية غير التقليدية (حروب الوكالة، القصف المجهول، مناطق فض النزاع)، ويدشن مرحلة العلاقات الرسمية بين دولة (الولايات المتحدة) ودولة (سوريا بعهدها الجديد)، مما ينهي حالة الاستثناء التي عاشتها البادية السورية لسنوات. ما يعني تشريع الوجود الأميركي على الأرضي السورية والذي كان طوال الوقت مخالفاً للقوانين الدولية، ولو تغطى سابقا بثوب محاربة الإرهاب، ومسمى التحالف الدولي.
الكاتب: غرفة التحرير