يصعب مقاربة تحولات الشرق الأوسط من دون العودة إلى خرائطه البحرية، حيث تختصر بضعة أميال مائية حسابات دول وقارات. في مضيق هرمز وباب المندب تتكثف الجغرافيا إلى حدّها الأقصى: ممران ضيقان، لكن أثرهما يمتد من أسواق الطاقة في آسيا إلى مرافئ أوروبا. عبر هرمز يمر ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط يومياً، فيما يشكّل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تعبر نسبة وازنة من تجارة الحاويات بين شرق آسيا وأوروبا. لذلك فإن أي اضطراب فيهما لا يُقرأ كحادثة موضعية، بل كإشارة إنذار في النظام الاقتصادي العالمي كله.
في هرمز تتجاور المصالح بحكم الجغرافيا قبل الاصطفافات السياسية. إيران، بساحلها الطويل على الضفة الشمالية، معنية مباشرة بأمن المضيق واستقراره، كما هي دول الخليج التي تعتمد عليه لتصدير مواردها الأساسية، فيما ترى القوى الدولية أن انسياب الملاحة فيه مسألة تتصل باستقرار الأسواق أكثر مما تتصل بالخرائط. هذه التركيبة أنتجت على مدى العقود الماضية نمطاً يمكن وصفه بـ"الردع الحذر": توتر مضبوط الإيقاع، ورسائل قوة لا تُدفع إلى مداها الأقصى. تجربة الثمانينيات في ما عُرف بحرب الناقلات، ثم حوادث استهداف السفن عام 2019، كشفت أن التصعيد في هذا الشريط البحري الضيق سرعان ما يتجاوز أطرافه المباشرين، لأن كلفته الاقتصادية والسياسية مرتفعة إلى حدّ يصعب تحمّله. من هنا تبدو الدعوات إلى ترتيبات إقليمية للحوار حول أمن الملاحة تعبيراً عن إدراك متبادل بأن إدارة التباين أقل كلفة من محاولة كسره.
باب المندب يطرح معادلة مختلفة. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بتوازن قوى بين دول متجاورة، بل بهشاشة البيئات السياسية المحيطة به، ولا سيما في اليمن والقرن الأفريقي. يمر عبره ما بين ستة وسبعة ملايين برميل نفط يومياً، إضافة إلى جزء مهم من تجارة الحاويات العالمية. وعندما تتعرض الملاحة فيه لتهديدات أمنية، تضطر بعض السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلة ويرفع زمن الشحن وكلفته، وينعكس تلقائياً على أسعار السلع في أسواق بعيدة جغرافياً لكنها متصلة اقتصادياً. في هذا المعنى، يتحول المضيق إلى مرآة لمدى استقرار محيطه: كلما تراجعت الفوضى السياسية، انخفض منسوب المخاطر في الممر، والعكس صحيح.
الاهتمام الإقليمي المتزايد بتطوير الموانئ والبنى اللوجستية على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن يعكس فهماً متقدماً لأهمية تنويع المسارات. فبدلاً من الارتهان الكامل لنقاط اختناق تقليدية، تُطرح أفكار لربط الممرات البحرية بمسارات برية تعزز التكامل الاقتصادي. حضرموت، بموقعها بين الداخل اليمني وساحل بحر العرب، تظهر في بعض التصورات كحلقة وصل محتملة بين الموانئ الجنوبية والأسواق الخليجية. غير أن الخرائط وحدها لا تكفي. فنجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب بيئة أمنية مستقرة، وإدارة محلية قادرة على حماية الاستثمارات وضمان توزيع عوائدها بصورة عادلة. من دون ذلك تبقى المشاريع أقرب إلى فرضيات استراتيجية منها إلى وقائع قابلة للاستدامة.
في خلفية كل ذلك يدور نقاش أوسع حول من يتولى إدارة أمن هذه الممرات. هناك من يدفع باتجاه تعزيز الدور الإقليمي وبناء قدرات بحرية واستخباراتية أكبر للدول المطلة عليها، باعتبار أن الأمن المستدام لا يُستورد جاهزاً. في المقابل، يصعب تجاهل أن الملاحة التي تعبر هرمز وباب المندب ذات طبيعة عالمية، وأن حماية تدفقها تتداخل فيها مصالح قوى كبرى لا يمكن إقصاؤها ببساطة. بين الطرحين يتبلور مسار واقعي يقوم على شراكات متوازنة: حضور دولي يحافظ على انفتاح التجارة، ودور إقليمي فاعل يرسخ المصالح المحلية ويمنع تحويل الممرات إلى ساحات تصفية حسابات.
السيناريوهات الممكنة لا تخرج عن ثلاثة اتجاهات رئيسية: استقرار تدريجي قائم على تفاهمات عملية تقلل منسوب التوتر وتدفع نحو مشاريع تنموية، أو توترات محدودة تبقى ضمن سقف الردع من دون أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة، أو تصعيد واسع يدفع بأسعار الطاقة إلى قفزات حادة ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ. المؤشرات الحالية ترجح استمرار النمط الثاني، أي توتر مضبوط لا يبلغ حد القطيعة، لأن كلفة الانفجار الشامل يدركها الجميع.
في النهاية، تكشف تجربة هرمز وباب المندب أن الجغرافيا قد تفرض الإطار، لكنها لا تحدد المسار النهائي. يمكن للممرات البحرية أن تبقى نقاط تماس إذا غلب منطق الشك، كما يمكن أن تتحول إلى مساحات توازن إذا ارتبط أمنها بالتنمية وربط المصالح ببعضها البعض. السؤال الحقيقي ليس من يرفع علمه على الضفة الأقرب، بل أي صيغة إدارة قادرة على صون الاستقرار وضمان انفتاح المنطقة على العالم في آن واحد. هنا تحديداً تتقاطع السياسة بالجغرافيا، ويصبح حسن الإدارة أهم من ضيق المسافة.
الكاتب: خليل القاضي