بعد مرور ايام على حادثة تفجير مسجد السيدة خديجة الأليمة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، نجد أنفسنا أمام السؤال ذاته: إلى متى نبقى في موقع ردّة الفعل؟ ولماذا يتحوّل الألم المتكرر إلى موسمية غضب، لا إلى مشروع حماية وبناء؟
الحقيقة أن كل تفجير لا يهزّ الجدران فقط، بل يكشف هشاشة البنية. فالمجتمع الذي يمتلك إطارًا منظمًا، ورؤية بعيدة المدى، ومؤسسات متماسكة، يتعامل مع الأزمات كاختبارٍ يعمّق تماسكه. أما المجتمع الذي تتوزع طاقاته بين حماسة عاطفية وقيادات متفرقة، فإنه يعود بعد كل حادث إلى نقطة البداية.
السؤال إذن ليس أمنيًا فقط، ولا مذهبيًا فقط. السؤال بنيوي: هل لدينا "إطار جامع" يحوّل التعاطف إلى تنظيم، والغضب إلى تخطيط، والخسارة إلى تراكم قوة ناعمة؟
لقد أثبتت تجارب المنطقة—منذ الثورة الإسلامية، ونحن نعيش في هذه الأيام ذكراها السابعة والأربعين، وصولًا إلى تجربة حزب الله في لبنان باعتبارها نموذجًا متقدمًا في بناء تنظيم متماسك—أن التحوّل يبدأ ببناء عقلٍ منظم ومؤسسات قادرة على الاستمرار. غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في محاولة استنساخ النماذج، بل في الخلط بين التعاطف والمشروع.
فالتعاطف حالة وجدانية، قد تبلغ ذروتها في لحظة الألم أو الحماس، لكنها بطبيعتها عابرة ما لم تتحول إلى رؤية وخطة. أما المشروع فهو بنية متكاملة: أهداف واضحة، مؤسسات، كوادر، موارد، وجدول زمني للتراكم.
في باكستان، لا ينقص المجتمع الشيعي التعاطف مع قضايا الأمة، ولا تغيب عنه المشاعر الصادقة تجاه التجارب الإقليمية. لكن التعاطف وحده لا يصنع قوة اجتماعية، ولا يبني نفوذًا مستدامًا، ولا يحمي مجتمعًا من التهديدات المتكررة. ما يحميه هو الانتقال من الوجدان إلى التنظيم، ومن ردّة الفعل إلى التخطيط، ومن الشعور بالانتماء إلى بناء أدوات فاعلة داخل الدولة والمجتمع.
إن الفرق بين التعاطف والمشروع هو الفرق بين موجةٍ ترتفع ثم تنحسر، ومسارٍ يتقدم ببطء لكنه لا يتراجع. والتاريخ يُظهر أن المجتمعات التي بقيت أسيرة التعاطف ظلت في دائرة الانفعال، أما التي امتلكت مشروعًا فقد استطاعت تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى محطات صعود.
بعد كل تفجير، تتكرّر بيانات الإدانة، وتعلو نبرة التضامن، ثم تخبو الموجة. ما نحتاجه ليس موجة، بل مسارًا. ليس خطابًا موسميًا، بل برنامجًا طويل النفس يقوم على 4 طبقات مترابطة:
أولًا، صناعة نخبة فكرية–إعلامية قادرة على صياغة خطاب وطني جامع يوازن بين الهوية والانتماء للدولة.
ثانيًا، بناء مؤسسات تعليمية واجتماعية تعمل داخل القانون وتراكم الثقة المجتمعية عبر خدمة الناس قبل مخاطبتهم.
ثالثًا، شبكة علاقات عابرة للطوائف تعزل التطرف بدل أن تعمّق الاستقطاب.
رابعًا، إعلام مهني احترافي، لا يكتفي بردّ الفعل، بل يصنع الرواية ويؤطر الحدث ويحمي الوعي من الاختطاف؛ فالمعركة في كثير من الأحيان ليست في الميدان فقط، بل في كيفية تفسير ما جرى، ومن يملك حق صياغة المعنى.
إن الأمن الحقيقي لا يُصان فقط عبر الحواجز الأمنية، بل عبر تماسك المجتمع وثقته بنفسه. والتمسك بالهوية لا يعني الانغلاق، بل الاندماج الواعي في الدولة مع الحفاظ على الخصوصية. بهذا المعنى، كل تفجير يجب أن يكون نقطة انعطاف: إمّا أن يرسّخ دورة ردّة الفعل، أو أن يدفعنا إلى بناء الإطار الذي طال انتظاره.
ربما لا نستطيع منع الحادثة التالية، لكننا نستطيع أن نقرر كيف نستقبلها. هل نستقبلها بانفعالٍ مؤقت يهدأ مع الوقت؟ أم نستقبلها كسؤالٍ قاسٍ يفرض علينا إعادة ترتيب بيتنا الداخلي؟
الأمم لا تُقاس بعدد ما تتعرض له من أزمات، بل بكيفية استثمارها لها. وكل دمٍ يُسفك ظلمًا هو إمّا أن يبقى رقمًا في أرشيف الألم، أو يتحول إلى دافعٍ لبناءٍ أكثر صلابة. والفرق بين الحالتين ليس في قوة الخصوم، بل في وضوح الرؤية داخلنا.
إن إعادة ترتيب البيت الداخلي ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطٌ لأي أمنٍ مستدام. فحين تتقدم الرؤية على الحسابات الضيقة، ويتغلب التنسيق على التنافس، ويعلو المشروع على الانفعال، تتحول الأزمات من لحظات انكشاف إلى محطات بناء.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي تأجيله:
هل سنقرأ هذه الحادثة بوصفها فصلًا عابرًا في سجل الألم، أم باعتبارها لحظة مراجعة تؤسس لمرحلة أكثر نضجًا وتنظيمًا؟
هنيئاً للشهداء.. وشافى الله تعالى الجرحى، إنه سميع مجيب.
الكاتب: هادي حسين ناصري