لم تعد البحار فضاءً مضمونًا للهيمنة الأميركية كما كانت لعقود. ورغم استمرار حضور الأساطيل الأميركية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، فإن البنية التي يقوم عليها هذا الانتشار باتت أكثر هشاشة مما يبدو في الصور الرسمية. فالتراجع لا يظهر في عدد حاملات الطائرات أو المدمرات، بل في العمق اللوجستي الذي يغذي هذا الانتشار من سلاسل الإمداد، الأساطيل التجارية، وقدرة النقل الاستراتيجي البحري. وهنا تحديدًا تكمن نقطة التحول.
من التفوق المطلق إلى الاعتماد
خلال العقود الماضية، سمحت واشنطن بانكماش قطاعها البحري التجاري تحت ضغط العولمة وكلفة الإنتاج المرتفعة. في المقابل، صعدت الصين لتسيطر على الغالبية الساحقة من صناعة السفن عالميًا، إلى جانب نفوذها المتزايد في الموانئ وسلاسل الشحن. هذه ليست مسألة اقتصادية بحتة كما تظهر. فالقدرة الأميركية على نشر قواتها في أي مسرح عمليات — بما في ذلك الشرق الأوسط — تعتمد بدرجة كبيرة على أسطول نقل تجاري داعم. وفي حال اندلاع مواجهة واسعة، لا تكفي القطع العسكرية وحدها؛ بل تحتاج إلى شبكة نقل مستدامة لنقل المعدات والذخائر والوقود والقوات. ومع تقلّص الأسطول التجاري الأميركي، تتسع الفجوة بين الطموح العسكري والقدرة الفعلية على الاستدامة.
الخليج تحت اختبار الاستدامة
اليوم، تكثّف الولايات المتحدة حضورها البحري في المنطقة، سواء عبر حاملات الطائرات أو عبر منظومات الدفاع الصاروخي المنتشرة في القواعد الخليجية. لكن أي مواجهة مفتوحة مع إيران — خصوصًا إذا امتدت زمنيًا — ستضع مسألة الإمداد تحت ضغط غير مسبوق. فإيران لا تسعى لمواجهة تقليدية في عرض البحر، بل تراهن على حرب استنزاف غير متماثلة عبر تهديد خطوط الملاحة في مضيق هرمز، الضغط من قِبل أنصار الله في البحر الأحمر، استهداف القواعد اللوجستية بشكل غير مباشر.
الصين في الخلفية
المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا إذا أخذنا في الاعتبار أن الصين تمسك بجزء كبير من مفاصل الصناعة البحرية العالمية. ففي حال التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، قد لا تتدخل بكين عسكريًا، لكنها تملك أوراقًا اقتصادية تؤثر على تدفق السفن، قطع الغيار، أو حتى سلاسل التأمين والشحن. بعبارة أخرى: الولايات المتحدة قد تخوض مواجهة في الخليج، بينما البنية الصناعية التي تدعم قدرتها على الاستمرار تقع ضمن دائرة نفوذ خصم استراتيجي آخر.
فجوة بين الخطاب والواقع
الخطاب الأميركي لا يزال يتحدث بلغة الهيمنة المطلقة وحرية الملاحة. لكن الواقع يشير إلى أن حرية الملاحة لم تعد أداة أحادية بيد واشنطن، بل شبكة مصالح معقدة تتداخل فيها قوى كبرى.
أي مواجهة مع إيران لن تكون معزولة عن السياق الدولي الأوسع، حيث يتراجع التفوق الصناعي الأميركي لصالح مراكز إنتاج آسيوية. وهذا يعني أن القرار العسكري لم يعد منفصلًا عن حسابات الاقتصاد العالمي.
لم يعد السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة نشر قواتها في المنطقة؟ بل هل تستطيع الحفاظ على هذا الانتشار في حال تحوّل التصعيد إلى مواجهة طويلة؟
تراجع الهيمنة البحرية لا يعني سقوط القوة، لكنه يعني أن هامش المناورة أضيق، وأن أي مواجهة مفتوحة قد تكشف حدود القدرة الأميركية على الاستدامة.
وفي منطقة كالخليج، حيث تعتمد المعادلات على موازين ردع دقيقة، قد يكون عامل الاستدامة اللوجستية أحد أبرز عناصر الردع الصامتة — أو نقاط الضعف غير المعلنة.
الكاتب: غرفة التحرير