حين تنتقل مبادرة سياسية من مستوى الإعلان إلى مستوى المؤسسة، يُفترض أن نكون أمام تحوّل نوعي. هذا ما جرى مع الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" الذي يتزعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمدعوم بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803. لكن الانتقال المؤسسي لا يعني بالضرورة انتقالاً في طبيعة الصراع، ولا في بنيته العميقة. السؤال الجوهري ليس ما إذا كان هناك مجلس، بل: ما الذي يعيد المجلس تنظيمه؟ ومن يخدم هذا التنظيم؟
من خطاب الاستقرار إلى هندسة المجال السياسي
الاجتماع الأول ثبّت عناصر الخطة: 10 مليارات دولار مخصصة لغزة، هيكل إداري للمرحلة الانتقالية، وقوة استقرار دولية تُمنح صلاحيات تنفيذية، بما في ذلك استخدام "التدابير اللازمة" وفق القانون الدولي. الأولوية المعلنة تبدأ بالأمن ووقف القتال والانسحاب "الإسرائيلي"، ثم إعادة الإعمار.
هذه الصياغة تبدو منطقية. غير أن ترتيب الأولويات ليس تفصيلاً إجرائياً، بل خياراً سياسياً. حين يُقدَّم "الأمن" باعتباره المدخل، يصبح تعريف الأمن هو السؤال الحاسم: أمن من؟ وبأي شروط؟ وهل يُفصل عن إنهاء الاحتلال، أم يُستخدم كمدخل لإعادة صياغة موازين القوى داخلياً؟
في النزاعات الممتدة، غالباً ما تتحول "المرحلة الانتقالية" إلى صيغة لإدارة الأزمة بدل حلّها. يتم تثبيت وقائع جديدة تحت عنوان الاستقرار، بينما تُرحَّل الأسئلة الجوهرية—السيادة، الحدود، تقرير المصير—إلى أجل غير مسمى.
الاقتصاد السياسي لإعادة الإعمار
التعهد بـ10 مليارات دولار ليس تفصيلاً مالياً فحسب، بل أداة سياسية. إعادة الإعمار المشروطة تُعيد تشكيل البنية المحلية للسلطة: من يدير؟ من يراقب؟ من يُمنح الشرعية؟ حين يُربط التمويل بنزع السلاح أو بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، فإن المال يصبح وسيلة لإعادة توزيع القوة، لا مجرد دعم إنساني.
التجربة الدولية تشير إلى أن "السلام الاقتصادي" لا يُنتج بالضرورة سلاماً سياسياً. بل قد يخلق طبقة إدارية جديدة مرتبطة بمصادر التمويل، فيما يبقى جوهر الصراع قائماً. من دون إطار ملزم لإنهاء الاحتلال، قد تتحول عملية الإعمار إلى تثبيت لواقع غير عادل، وإن كان أقل عنفاً في المدى القصير.
"إسرائيل": بين التأثير والاحتفاظ بهامش الحركة
الموقف "الإسرائيلي" يعكس براغماتية حذرة. غياب "رئيس وزراء حكومة الاحتلال" بنيامين نتانياهو عن الاجتماع والاكتفاء بتمثيل أدنى يوحي برغبة في تجنّب التزام علني قد يقيّد حرية القرار، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب من قطاع تسيطر إسرائيل على نسبة كبيرة من مساحته.
في الوقت نفسه، ينسجم ربط الإعمار بنزع سلاح حركة حماس مع الطرح "الإسرائيلي" التقليدي. استمرار العمليات العسكرية قد يُستخدم أداة ضغط مزدوجة: على المقاومة من جهة، وعلى شروط انتشار القوة الدولية من جهة أخرى. فالقوات التي تشترط وقفاً مستداماً لإطلاق النار تجد نفسها أمام واقع ميداني قابل للتغيير في أي لحظة.
قوة الاستقرار الدولية: وظيفة محدودة أم تفويض مفتوح؟
إعلان نشر قوة استقرار بمشاركة دول من بينها إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، وبقيادة الجنرال جاسبر جيفيرز، يضيف بُعداً تنفيذياً مباشراً. التفويض يشمل تأمين الحدود، حماية المدنيين، تدريب الشرطة الفلسطينية، والمساهمة في ترتيبات نزع السلاح.
هنا تظهر إشكالية كلاسيكية: هل يمكن لقوة دولية أن تؤدي وظيفة أمنية في بيئة لم يُحسم فيها الإطار السياسي؟ إذا طُلب منها ضمان "نزع السلاح" في غياب تسوية شاملة، فإنها تدخل عملياً في صلب التوازنات الداخلية. أما إذا اقتصر دورها على الحماية الإنسانية، فستحتاج إلى وضوح في حدود ولايتها كي لا تتحول إلى طرف في النزاع.
نجاح مثل هذه القوة يعتمد على ثلاثة عناصر: وضوح التفويض، قبول محلي واسع، وجدول زمني سياسي واضح. غياب أي من هذه العناصر يحولها إلى إدارة ميدانية للأزمة، لا إلى أداة حلّ.
مسار موازٍ للأمم المتحدة؟
محدودية المشاركة الأوروبية الكبرى تطرح سؤالاً حول طبيعة المجلس نفسه. هل نحن أمام تعزيز لدور الأمم المتحدة عبر قرار 2803، أم أمام إطار موازٍ يُدار سياسياً من واشنطن مع غطاء قانوني دولي؟ إعادة تشكيل منظومة الحوكمة الدولية عبر أطر مرنة قد يمنح سرعة في التنفيذ، لكنه يثير أيضاً مخاوف من تسييس الانتقائية في تطبيق القانون الدولي.
في هذه النقطة تحديداً، يصبح "السلام" جزءاً من توازنات النظام الدولي، لا مجرد استجابة لحاجة إنسانية عاجلة.
فجوة الوعود والواقع
حتى الآن، لم تُترجم التعهدات إلى تحول ملموس في حياة سكان غزة. لا يزال العنف قائماً، والوقائع على الأرض تتغير بوتيرة سريعة. الحديث عن "منعطف سياسي" قد يكون سابقاً لأوانه إذا لم يُقرن بآليات واضحة للانسحاب، وضمانات قانونية، ومساءلة عن الانتهاكات.
التحليل البنيوي يفرض طرح سؤال بسيط: هل يعالج المجلس جذور الصراع أم يعيد تنظيم إدارته؟ إذا كان الهدف هو تخفيض مستوى العنف من دون مساس ببنية الاحتلال، فسنكون أمام إعادة تدوير للمواقف بصيغة أكثر تنظيماً. أما إذا اقترن المسار الانتقالي بجدول زمني واضح لإنهاء السيطرة العسكرية وفتح أفق سياسي حقيقي، فقد يمثل خطوة أولى في اتجاه مختلف.
الميدان لا ينتظر
على الأرض، تعيد المقاومة الفلسطينية رسم حدود انتشارها قرب "الخط الأصفر"، لأسباب أمنية وعملياتية تتصل بخرق أمني، وبالاستعداد لأي تصعيد، وبالتحسب لدورٍ محتمل لقوة الاستقرار في ملف نزع السلاح. هذا التحرك يعكس حقيقة بسيطة: أن أي إطار سياسي لا يُترجم سريعاً إلى وقائع تُغيّر شروط الحياة اليومية سيبقى معلقاً فوق ميدان يتحرك وفق منطقه الخاص. الاستقرار ليس نصاً يُعلَن في قاعة اجتماعات؛ إنه توازن قوى يُختبَر في الأزقة والحدود.
الحديث عن "منعطف" قد يكون سابقاً لأوانه. فحتى الآن، لم تُترجم التعهدات إلى تغيير ملموس في مؤشرات الأمن الإنساني أو في أفق سياسي واضح ينهي الاحتلال. من دون جدول زمني ملزم للانسحاب، وضمانات لحق تقرير المصير، وآلية مساءلة عن الانتهاكات، سيظل المجلس عرضة لاتهام جوهري: أنه يدير الأزمة بدل أن يحلّها.
في النهاية؛ فإن الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" دشّن إطاراً مؤسسياً متكاملاً، مدعوماً بقرار دولي وتمويل معلن وقوة تنفيذية على الأرض. هذا بحد ذاته تطور لا يمكن تجاهله. لكن قيمة التطور لا تُقاس بحجم الهياكل، بل بقدرتها على تغيير المعادلة الأساسية للصراع.
بين خيارين يقف المجلس اليوم:
إما أن يكون إدارة متقدمة لأزمة مزمنة، تُعيد ترتيب أوراقها دون حلّها، أو أن يتحول إلى مسار ملزم يضع نهاية واضحة للاحتلال ويفتح أفقاً سياسياً قائماً على الحقوق.
الإجابة لن تأتي من قاعات الاجتماعات وحدها، بل من قدرة هذا الإطار على تقليص الفجوة بين الخطاب والميدان. وفي هذا الاختبار تحديداً يتحدد ما إذا كنا أمام منعطف سياسي حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير للمواقف بلغة جديدة.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]