ليس من قبيل المصادفة أن تتزامن موجة التصعيد الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية مع انخراط واشنطن العلني في ترتيبات "اليوم التالي" في غزة. فالمشهد، عند تفكيكه بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية الملساء، يكشف معادلة سياسية واضحة: يد "إسرائيل" طليقة في الضفة، مقابل انضباط تكتيكي في غزة يخدم المبادرة التي حملت اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
هذه ليست قراءة انطباعية، بل استنتاج يستند إلى سلوك سياسي متراكم، وإلى أرقام ووقائع ميدانية تؤكد أن ما يجري في الضفة لا يُنظر إليه في واشنطن كعقبة أمام السلام، بل كجزء من إعادة هندسة الواقع الفلسطيني.
أولاً: من حل الدولتين إلى إدارة السكان
لم يكن الرئيس الأميركي في أي من ولايتيه متحمسًا فعليًا لمفهوم "حل الدولتين". ففي ولايته الأولى، منح اعترافًا رسميًا بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، ونقل السفارة الأميركية إليها، وأطلق ما عُرف إعلاميًا بـ"صفقة القرن"، التي منحت "إسرائيل" سيطرة فعلية على ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية.
أما في ولايته الثانية، فإن الخطاب تغيّر شكليًا، لكنه لم يتبدل جوهريًا. صحيح أن مبادرته الأخيرة تضمنت إشارات إلى "تطلعات الفلسطينيين لتقرير المصير"، غير أن هذه الإشارات جاءت مشروطة، مؤجلة، ومربوطة بسلسلة طويلة من المتطلبات الأمنية والإدارية، تجعل من الدولة الفلسطينية احتمالًا نظريًا أكثر منه مسارًا سياسيًا ملزمًا.
بهذا المعنى، لم يعد السؤال: هل تدعم واشنطن حل الدولتين؟ بل: هل ما زال هذا المفهوم قائمًا في الحسابات الاستراتيجية الأميركية أصلًا؟
ثانيًا: الضفة كجبهة حسم صامت
منذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية بصورة دراماتيكية:
- نحو 200 تجمع بدوي تعاني من تهميش مزمن واعتداءات متكررة.
- تسجيل قرابة 6000 انتهاك خلال عام 2025 وحده.
- نزوح أكثر من 12 ألف فلسطيني من 183 تجمعًا بدويًا.
- تهجير ما يزيد على 3000 فلسطيني من 33 تجمعًا منذ أكتوبر 2023.
- وجود نحو 350 بؤرة استيطانية رعوية سيطرت على ما يقارب 800 ألف دونم.
هذه الأرقام لا تعكس "فوضى مستوطنين"، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا. فالاستيطان الرعوي تحديدًا بات أداة استراتيجية للسيطرة على المساحات المفتوحة، خصوصًا في الحزام الشرقي الممتد نحو الأغوار، حيث يجري ربط الكتل الاستيطانية ببعضها لتشكيل عمق جغرافي متصل.
في الوقت ذاته، تشير تقديرات محلية إلى أن:
- أكثر من 27 ألف نازح خرجوا من مخيمي طولكرم ونور شمس.
- نحو 21 ألف نازح من مخيم جنين.
- تدمير أو تضرر ما يزيد على 7500 وحدة سكنية في شمال الضفة.
وقد وصفت الأونروا الوضع بأنه "الأسوأ إنسانيًا منذ 1967"، مشيرة إلى "حرب صامتة" تستهدف المدن والمخيمات.
السؤال هنا ليس إن كانت واشنطن على علم بهذه الوقائع، بل لماذا لا تعتبرها أولوية سياسية.
ثالثًا: الضوء الأخضر… أم البرتقالي؟
يكثر الحديث عن "ضوء أخضر" أميركي لحكومة بنيامين نتانياهو. غير أن الأدق هو توصيفه بضوء "غير مرئي": لا إعلان رسميًا بالضم، ولا اعتراض فعليًا على الوقائع الميدانية.
فواشنطن، في أقصى ردود فعلها، تدرج أسماء هامشية من "شبيبة التلال" على لوائح عقوبات محدودة، بينما يبقى صناع القرار السياسي والعسكري بمنأى عن أي مساءلة. هذا التمييز بين المنفذين الصغار والمخططين الكبار يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن ما يجري ليس انحرافًا عن السياسة، بل هو السياسة ذاتها.
في المقابل، تطلب واشنطن من تل أبيب أمرًا واحدًا تقريبًا: لا تُحرجوا الرئيس أمام حلفائه العرب، ولا تُفشلوا المسار التطبيعي الذي يُراد له أن يُستأنف ويُوسَّع.
رابعًا: غزة كمختبر إدارة لا كجبهة سيادة
في غزة، الصورة مختلفة. هناك شروط أميركية واضحة تتعلق بالإدارة والسلاح وإعادة الإعمار. المبادرة الأميركية تركز على:
- نزع سلاح القطاع أو إخضاعه لمنظومة أمنية مقبولة "إسرائيليًا".
- إعادة إعمار وفق نموذج اقتصادي مفتوح، يُروَّج له بوصفه "نهضة تنموية".
- ترتيبات حكم جديدة تُبعد الفصائل المسلحة عن المشهد التنفيذي.
- إعادة هيكلة النظام المالي في غزة عبر عملة رقمية مربوطة بالدولار، تُقدَّم بوصفها حلًا تقنيًا لأزمة السيولة وانهيار الدورة النقدية، لكنها في جوهرها تمثل انتقالًا من الحصار المادي إلى الحصار المالي الرقمي. فإنشاء عملة رقمية أو منصة دفع إلكترونية خاضعة لإشراف دولي ـ أميركي فعليًاـ يعني: تحويل كل حركة مالية إلى بيانات قابلة للرصد الفوري. بذلك إخضاع التحويلات والرواتب والمساعدات لآليات تحقق ومطابقة أمنية، وتجفيف أي قنوات تمويل غير خاضعة للرقابة.
أي أن غزة تُدار كملف أمني-اقتصادي، بينما الضفة تُدار كملف سيادي-جغرافي. الأولى تُخضع لإعادة هندسة سياسية، والثانية لإعادة هندسة ديمغرافية.
وهنا تتضح المعادلة: تقليع أنياب غزة، مقابل ابتلاع الضفة.
خامسًا: من التفاوض إلى الضم غير المعلن
تحت حكم اليمين القومي-الديني، لم تعد "إسرائيل" تتحدث عن "أراضٍ متنازع عليها"، بل عن "يهودا والسامرة"، قانون القومية الذي أقره الكنيست عام 2018 أسّس قانونيًا لرؤية تعتبر الأرض "حصرًا للشعب اليهودي"، ما يجعل أي حديث عن سيادة فلسطينية تنازلًا أيديولوجيًا لا سياسيًا فحسب.
وبينما تُشطب عبارة "مسار لا رجعة عنه لحل الدولتين" من البيانات الدولية تدريجيًا، يجري تثبيت مسار لا رجعة عنه للاستيطان. 61% من مساحة الضفة ما تزال مصنفة (ج)، أي تحت السيطرة "الإسرائيلية" الكاملة. في هذه المساحة تحديدًا، يتم: (إعلان أراضٍ "أراضي دولة" - مصادرة أملاك بزعم الغياب - إنشاء مستوطنات تطوق المدن الكبرى - توسيع حدود بلدية القدس الكبرى باتجاه الأغوار). هذا ليس تكتيكًا تفاوضيًا، بل إعادة تعريف للسيادة على الأرض.
سادسًا: لماذا لا تُفاجأ واشنطن؟
التفسير لا يقتصر على "الانحياز التقليدي" للاحتلال الإسرائيلي، بل يتجاوز ذلك إلى بنية المصالح.
من منظور استراتيجي أميركي:
- "إسرائيل" تظل ركيزة أمنية في شرق المتوسط.
- التطبيع الإقليمي يخفف كلفة الانخراط الأميركي المباشر.
- إدارة الصراع أقل كلفة من حله.
- بقاء الفلسطينيين في معازل إدارية أفضل من قيام دولة قد تعيد طرح ملفات الحدود والسيادة واللاجئين.
بمعنى آخر، ما يجري في الضفة لا يُعد فشلًا للسياسة الأميركية، بل نتيجة منطقية لها.
دولة تُمحى… بلا إعلان
حين يُقاس الأمر بمعايير القانون الدولي، فإن ما يحدث في الضفة يقوّض فعليًا أي إمكانية لدولة فلسطينية قابلة للحياة. لكن في ميزان المصالح، لا يبدو ذلك مصدر قلق ملحّ في واشنطن.
المعادلة واضحة: "إسرائيل" تُحسم الجغرافيا في الضفة بهدوء، والولايات المتحدة تُدير المشهد في غزة بضجيج دبلوماسي.
أما الدولة الفلسطينية، فتتحول من مشروع سياسي إلى بند مؤجل في وثيقة مشروطة، أو إلى عبارة للاستهلاك الإعلامي.
في النهاية؛ ليست المسألة إذن في وجود "ضوء أخضر" أو "برتقالي"، بل في وجود تفاهم ضمني على ترتيب الأولويات: الأرض أولًا، السيادة لاحقًا — إن بقي منها شيء. وفي هذا الترتيب، لا يُطلب من "إسرائيل" الكثير. فقط… ألا تُحرج واشنطن.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]