سلامٌ من غزة، المدينة التي تعلّمت كيف تكتب اسمها بالدم والنار، إلى طهران، التي تحفظ في ذاكرتها معنى الثورة ومعنى الصمود. سلامٌ إلى أصفهان وتبريز، إلى قم ومشهد، إلى كل أمٍّ شيّعت ولدها وهي ترفع رأسها نحو السماء، وإلى كلّ مقاتلٍ يقف على حدود وطنه كأنّه يقف على تخوم التاريخ نفسه.
من غزة التي أُريد لها أن تختنق فتنفجر، أن تجوع فتستسلم، أن تُحاصر فتموت بصمت، خرج الصوت عالياً: لن ننكسر. ومن طهران التي تعرّضت لعقودٍ من الحصار والتهديد والعقوبات والاغتيالات، جاء الجواب: لن نخضع. وبين الصوتين مسافة جغرافيا، نعم، لكن بين الروحين وحدة قدرٍ ومصير.
ليست المسألة في عدد الطائرات ولا في حمولة البوارج، ولا في فائض النار التي تُلقى على المدن الآمنة. المسألة في معنى الإرادة، في معنى أن تقول "لا" في وجه من اعتاد أن يسمع "نعم" من الجميع. غزة قالتها يوم ظنّ العالم أن القطاع الصغير لا يحتمل حرباً طويلة، فاحتمل ما لا تحتمله الجبال. وإيران قالتها يوم ظنّوا أن الحصار كفيل بإسقاطها، فحوّلت الحصار إلى ورشة اكتفاءٍ وقوةٍ وتطوير.
حماس والفصائل الفلسطينية: نعي ودعم لإيران في مواجهة العدوان
وفي ذروة هذه اللحظة المثقلة بالنار والدخان، خرجت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومعها بقية الفصائل الفلسطينية، لتقول كلمتها من قلب الجرح الفلسطيني، ناعيةً المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله السيد الشهيد علي خامنئي، وعدداً من القادة السياسيين والعسكريين الذين طالتهم يد العدوان. لم يكن البيان مجرّد موقف بروتوكولي، بل كان إعلان وفاء لمسيرةٍ امتدّت قرابة أربعة عقود، رأت فيها الحركة أن الرجل لم يتخلّ يوماً عن دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ومقاومته الباسلة، رغم الضغوط والحصار والمؤامرات. وفي لغةٍ حاسمة لا لبس فيها، وصفت الحركة الهجمات "الأميركية - الإسرائيلية" بأنها "اعتداء سافر على سيادة دولة مستقلة، وانتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية"، محمّلة الإدارة الأميركية و"الحكومة الإسرائيلية" المسؤولية الكاملة عن هذا العدوان وتداعياته الخطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.
ورأت أن هذه الضربات لا تؤجّج سوى مزيد من الأزمات، ولا تخدم إلا مشاريع التوسّع والهيمنة على حساب حقوق الفلسطينيين ومصالح شعوب الأمة. ومن هنا، دعت حماس الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي، دولاً ومؤسسات، إلى التحرّك العاجل واتخاذ مواقف جادة وحازمة تضع حدّاً لهذه الجرائم المتصاعدة، مجدّدةً تضامنها ووقوفها إلى جانب إيران، ومترحّمةً على ضحاياها، في مشهدٍ يعكس تداخل الجبهات وتكامل الروايات في مواجهة ما تصفه الحركة بالاعتداء الصهيوأميركي المتواصل.
وحدة الدم… حين تتجاوز الجغرافيا حدودها
منذ أن اندلعت الحرب الكبرى على غزة، وتحوّل القطاع إلى ساحة اختبارٍ مفتوحة لكل أنواع الأسلحة، كان الرهان واضحاً: سحق الإرادة. لم يكن الهدف فقط تدمير البيوت والمستشفيات والجامعات، بل تدمير الفكرة ذاتها: فكرة أن شعباً محاصَراً يمكن أن يقاوم. ومع ذلك، بقيت غزة واقفة. نعم، جريحة. نعم، مثقلة بالفقد والدموع. لكنها واقفة.
وفي الخلفية، كانت طهران تقرأ المشهد لا كحدثٍ هامشي، بل كحلقةٍ في مشروعٍ أكبر. مشروع يريد إعادة صياغة المنطقة على قياس القوة وحدها، على مقاس من يملك السلاح الأحدث والنفوذ الأوسع. لذلك لم يكن موقف إيران من غزة تفصيلاً سياسياً أو مناورة تكتيكية، بل خياراً استراتيجياً متصلاً بعقيدتها وهويتها منذ انتصار ثورتها قبل عقود.
اليوم، حين تنتقل النار إلى الجغرافيا الإيرانية مباشرةً، يتكرّر المشهد بوجوهٍ مختلفة. اللغة هي نفسها: تدمير القدرات، إخضاع الدولة، إعادة تشكيل النظام من الداخل، فرض “الوصاية” باسم الأمن والاستقرار. والذريعة جاهزة دائماً، كما كانت جاهزة في كل حربٍ سابقة: الدفاع عن النفس، حماية المصالح، ردع الخطر.
معركة الإرادة… لا معركة السلاح فقط
لكن ما الذي تغيّر؟ الذي تغيّر أن المنطقة لم تعد كما كانت. غزة لم تعد مجرد بقعةٍ محاصرة؛ أصبحت عنواناً لكرامةٍ عربية وإسلامية وإنسانية. وإيران لم تعد دولةً تُختزل في خطاب العقوبات؛ أصبحت لاعباً إقليمياً يصعب تجاوزه أو عزله. وحين تتقاطع الجبهتان، لا يتقاطع سلاحٌ مع سلاحٍ فقط، بل تتقاطع روايتان: رواية الهيمنة، ورواية الصمود.
قد يقول قائل إن ميزان القوة لا يميل إلا حيث تميل الترسانة العسكرية. وهذا صحيح… إلى حدٍّ ما. لكن التاريخ علّمنا أن المعارك الكبرى لا تُحسم فقط في غرف العمليات، بل في قلوب الشعوب. كم من قوةٍ عظمى ظنّت أن التفوق الناري يكفي، فاكتشفت متأخرةً أن الشعوب حين تقرر أن تصمد، تغيّر المعادلات.
في غزة، كان الأطفال تحت القصف يكتبون أسماءهم على دفاتر المدرسة الممزقة، كأنهم يعلنون تحدياً صامتاً: نحن هنا. وفي إيران، كان الناس يخرجون في الشوارع كلما اشتدّ الضغط، ليقولوا: الدولة ليست مبنى يُقصف، بل شعبٌ يتماسك. هنا تكمن المعادلة التي لا تُقاس بالأقمار الصناعية ولا تُرصد بتقارير الاستخبارات.
حين تتكلم الشعوب… يسقط منطق الوصاية
ليست المسألة تمجيد حرب، ولا الاحتفاء بالنار. بل هي قراءة لحظةٍ فاصلة: لحظة يريد فيها البعض أن يعيد رسم الشرق الأوسط بحدّ السيف، بينما يصرّ آخرون على أن السيادة ليست بنداً قابلاً للتفاوض. من غزة إلى طهران، يتكرّر السؤال ذاته: هل يُسمح لشعوب المنطقة أن تختار موقعها، أم يُفرض عليها موقع التابع إلى الأبد؟
نحن أمام مواجهة تتجاوز حدود الجغرافيا. إنها مواجهة بين منطقين: منطق القوة المجردة، ومنطق الإرادة المتجذّرة. الأول يراهن على الصدمة والرعب، على الحصار والتجويع والعقوبات. والثاني يراهن على الزمن، على التراكم، على تحويل الألم إلى طاقة بقاء.
قد تكون الطريق طويلة ومكلفة. لا أحد يدّعي أن الثمن بسيط. غزة دفعت من دمها ما يكفي ليكتب العالم كله قصة وجعها. وإيران دفعت من اقتصادها وأمنها واستقرارها أثماناً باهظة. لكنّ الأمم لا تُقاس بما تدفعه فقط، بل بما تحققه بعد الدفع. وحين تتحول المحنة إلى مدرسة، يصبح الألم استثماراً في المستقبل.
أمّةٌ لا تنكسر… ولو طال الليل
من غزة إلى طهران، الرسالة واحدة: لسنا شعوباً تبحث عن حرب، لكننا لسنا شعوباً تقبل الذل. لسنا هواة مواجهة، لكننا نعرف أن الاستسلام لا يجلب السلام، بل يفتح الباب لمزيد من الإملاءات. ولسنا دعاة فوضى، لكننا نرفض أن يُكتب مصيرنا في عواصم بعيدة.
في لحظات كهذه، تتكشف المعادن. هناك من يهرع إلى الاحتماء بالصمت، وهناك من يرفع صوته ولو كان وحيداً. غزة لم تكن تملك ترف الصمت، فصرخت. وإيران لم تختر أن تكون في قلب العاصفة، لكنها حين وُضعت هناك، قررت أن تقف.
قد تتبدّل خرائط، وقد تُعقد صفقات، وقد تُفرض تسويات. لكن ما لن يتبدل هو أن في هذه الأمة بقية روح. روحٌ تظهر كلما ظنّ البعض أنها ماتت. روحٌ تقول إن التفوق العسكري لا يصنع شرعية، وإن الحصار لا يلغي الكرامة، وإن القصف لا يمحو الهوية.
من غزة إلى طهران… نحن أمّةٌ لا تُهزم.
قد ننزف، لكننا لا نستسلم.
وقد يطول الليل، لكن الفجر، كما علّمتنا التجارب، لا بدّ آتٍ.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]