الثلاثاء 03 آذار , 2026 04:36

مقامرة ترامب – نتنياهو بالورقة الكردية: رهان محكوم بالفشل

ترامب ونتنياهو

في لحظة تاريخية مصيرية، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الأدوات حساسية في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة غربي آسيا: "الورقة الكردية". حيث يتم التداول بمعطيات ومعلومات حول اتصالات يجريها دونالد ترامب مع قيادات كردية بارزة، مثل مسعود بارزاني وبافل طالباني، بالتوازي مع ضغوط يمارسها بنيامين نتنياهو، في محاولة جدية منهم لإعادة تفعيل هذا الخيار في مواجهة إيران.

لكن، وعلى الرغم من خطورة هذا السيناريو ظاهرياً، إلا أن التدقيق في معطيات الميدان والتاريخ السياسي للمنطقة يشير بوضوح إلى أن هذا الخيار، إن تم اللجوء إليه، محكوم عليه بالفشل.

عمليات تسلل من الجبهة الغربية

التحركات الأخيرة توحي بأن واشنطن، بدفع إسرائيلي، تسعى إلى فتح جبهة داخلية في إيران عبر تحفيز الجماعات الكردية على تنفيذ عمليات تسلل وخلق بؤر توتر على الحدود الغربية، بالتوازي مع محاولات زعزعة الاستقرار في الشرق عبر مجموعات أخرى.

هذا النمط ليس جديداً، بل يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية الأطراف"، أي استخدام القوميات والأقليات كأدوات ضغط لإضعاف الدولة المركزية. ويبدو أن الرهان الحالي يقوم على فرضية أن الضغط العسكري الخارجي، المترافق مع الاضطرابات الداخلية لا سيما المسلحة منها (كما حصل مؤخراً خلال العملية الإرهابية)، يمكن أن يخلق لحظة انهيار في نظام الجمهورية الإسلامية أو على الأقل قد يؤدي الى اضطراب عميق فيه.

مقامرة فاشلة

لكن هذه الفرضية الأمريكية الإسرائيلية التي يمكن وصفها بالمقامرة، تتجاهل حقائق أساسية، فالبيئة الكردية سواء في العراق أم حتى في إيران، ليست كتلة واحدة يمكن توجيهها بسهولة.

فالأكراد موزعون بين دول عدة، وتخضع حركتهم السياسية والعسكرية لتوازنات معقدة، تتداخل فيها المصالح المحلية مع الإقليمية. وحتى داخل العراق، فإن العلاقة بين القوى الكردية نفسها—مثل التي يمثلها بارزاني وطالباني—ليست دائماً على درجة من الانسجام تسمح بمغامرات استراتيجية كبرى. كما أن طالباني يعدّ أحد حلفاء الجمهورية الإسلامية، من خلال علاقة والده التاريخية معها، ومن خلال التحديات التي خيضت سوياً بين الجانبين.

وفي إيران، يصبح الوضع أكثر تعقيداً، إذ أن التجربة التاريخية أظهرت أن محاولات عسكرة الملف الكردي غالباً ما تصطدم بواقعين:

1)ضعف الحاضنة الشعبية لأي مشروع انفصالي واسع، لأن الأكراد فعلياً يحصلون على جميع حقوقهم من الدولة، ويعلمون بأن أي مشاريع انفصالية ذات تحريض خارجي ستنتهي بالفشل الذريع.

2)القدرة العالية للجمهورية الإسلامية على الاحتواء الأمني والسياسي، من خلال انتشار القوات الأمنية والعسكرية وخاصة تلك التابعة لحرس الثورة الإسلامية وللبسيج.

وفي سياق متصل، أي محاولة لتسلل مجموعات مسلحة عبر الحدود الإيرانية ستصطدم بعامل حاسم وهو الجغرافيا. فالحدود الغربية لإيران، رغم طبيعتها الجبلية، تخضع لمراقبة كثيفة، وهي بيئة معروفة جيداً للقوات الإيرانية. كما أن أي تحرك واسع النطاق سيكون مكشوفاً وقابلاً للاستهداف السريع. بالإضافة الى أن أي حديث عن "السيطرة على أراضٍ" داخل إيران سيكون أقرب للخيال منه الى الواقع، لأن ذلك يتطلب:

1)غطاءً جوياً.

2)دعماً لوجستياً مستداماً.

3)حاضنة محلية واسعة.

قد يرى دونالد ترامب، تحت تأثير حسابات داخلية أو ضغوط من بنيامين نتنياهو، أن تفعيل الجبهة الكردية يمثل ورقة ضغط فعالة على إيران. لكن هذا التقدير يتجاهل تعقيدات الواقع الميداني والسياسي.

فبدلاً من إضعاف إيران، قد يؤدي هذا الخيار إلى تعزيز التماسك الداخلي، وتبرير الردود الأمنية والعسكرية الواسعة (خاصةً ضد الأطراف الخارجية المشاركة). وعليه، فإن "الورقة الكردية"، هي مغامرة استراتيجية محكومة بالفشل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور