الجمعة 06 آذار , 2026 07:33

المشروعية القانونية لسلاح المقاومة في لبنان

سلاح حزب الله حق مشروع للدفاع عن لبنان

يشكّل النقاش حول سلاح حزب الله أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية منذ سنوات طويلة -على الرغم من وجود قضايا تريد المعالجة الملحة غيره-. غير أنّ هذا النقاش عاد ليحتدم بصورة لافتة عقب إعلان وقف إطلاق النار وتوقف الحرب عام 2024، إذ برزت دعوات متزايدة لإعادة طرح مسألة نزع سلاح المقاومة في إطار "تطبيق القرارات الدولية وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية". إلا أنّ هذا السجال كان يجري في ظل معطى ميداني لا يمكن تجاهله، وهو أن حزب الله أعلن التزامه الكامل باتفاق وقف إطلاق النار ولم تُسجَّل عليه خروقات بتاتاً لهذا الاتفاق، في حين استمر الاحتلال في خرقه بشكل شبه يومي عبر الاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية والانتهاكات المتواصلة للسيادة. ويتكرر هذا السجال اليوم بعد إعلان حزب الله دخوله المواجهة مع الاحتلال ليسترد بذلك سيادة لبنان التي سلبت على مدار سنة ونصف. 
فهل يوجد أساس قانوني فعلي يبرّر المطالبة بنزع سلاح المقاومة في وقت لا تزال فيه الاعتداءات الإسرائيلية قائمة وهناك خطر محدق يقع بالقرب من لبنان؟ 
الإطار الدستوري واتفاق الطائف
يشكّل اتفاق الطائف (1989) المرجعية السياسية والدستورية التي قامت عليها الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية. وقد نص الاتفاق على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه ميّز بين الميليشيات الداخلية وبين حركات المقاومة المرتبطة بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي كان لا يزال قائمًا في أجزاء من الأراضي اللبنانية آنذاك.
وبهذا المعنى، فإن مسألة المقاومة لم تُطرح في الطائف بوصفها ظاهرة ميليشياوية داخلية، بل باعتبارها جزءًا من معادلة الدفاع الوطني المرتبطة بتحرير الأراضي المحتلة وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425 القاضي بانسحاب "إسرائيل" من لبنان.
وقد انعكس هذا الفهم لاحقًا في البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ التسعينيات، التي أكدت بصورة متكررة حق لبنان في الدفاع عن نفسه عبر معادلة الجيش والشعب والمقاومة، وهي صيغة سياسية – دستورية كرّست الاعتراف بدور المقاومة ضمن منظومة الدفاع الوطني.
من هذه الزاوية، يبرز سؤال قانوني أساسي: هل تملك السلطة التنفيذية وحدها صلاحية اتخاذ قرار بنزع هذا السلاح؟
في الأنظمة الدستورية، تُعدّ القرارات التي تمسّ المرتكزات التأسيسية للنظام السياسي أو التوازنات التي نشأت بموجب تسويات دستورية كبرى، من المسائل التي تتجاوز عادةً صلاحيات السلطة التنفيذية المنفردة. وبالتالي، فإن أي تغيير جذري في هذه المعادلة يندرج غالبًا ضمن إطار تسوية سياسية ودستورية شاملة لا ضمن قرار حكومي عادي.
موقع المقاومة في القانون الدولي
لا يمكن مقاربة المسألة اللبنانية بمعزل عن قواعد القانون الدولي، وخصوصًا تلك المتعلقة بحق الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال.
فقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عدة قرارات منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي شرعية كفاح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو السيطرة الأجنبية من أجل تقرير مصيرها. وقد اعتبر كثير من الفقه القانوني الدولي أن هذا الحق يشمل المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.
كما أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقرّ بحق الدول الطبيعي في الدفاع عن النفس في حال تعرضها لعدوان مسلح. ورغم أن النص يتحدث أساسًا عن الدول، إلا أن الفقه القانوني الدولي وسّع تفسيره في حالات معيّنة ليشمل المقاومة الشعبية عندما تكون الدولة عاجزة أو غير قادرة على تأمين الحماية الكافية لشعبها في مواجهة الاحتلال أو الاعتداء الخارجي.
من هنا، فإن النقاش حول شرعية المقاومة لا يُختزل فقط في مسألة حيازة السلاح، بل يتصل بظروف أوسع تتعلق بوجود نزاع مسلح مستمر مع قوة احتلال أو بوجود أراضٍ متنازع عليها.
 القرارات الدولية الخاصة بلبنان
تُعدّ قرارات مجلس الأمن، ولا سيما 1559 (2004) و 1701 (2006)، من أهم المرجعيات الدولية في هذا الملف.
القرار 1559 دعا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، وهو القرار الذي استُخدم لاحقًا كمرجعية للمطالبة بنزع سلاح حزب الله. غير أن هذا القرار صدر في سياق سياسي إقليمي معقّد ولم يتضمن آليات تنفيذ محددة.
أما القرار 1701، الصادر بعد حرب تموز 2006، فقد ركّز على وقف الأعمال القتالية بين كيان الاحتلال وحزب الله وعلى تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بالتعاون مع قوات الأمم المتحدة. كما أعاد التأكيد على أهمية تنفيذ اتفاق الطائف وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
غير أن تطبيق القرار 1701 بقي مرتبطًا أيضًا بالتزامات متبادلة، من بينها وقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية ومعالجة مسألة الأراضي المتنازع عليها، مثل مزارع شبعا وهذا ما لم يحصل.
وبالتالي، فإن النقاش القانوني حول تنفيذ هذه القرارات لا ينفصل عن مبدأ المعاملة المتبادلة في الاتفاقات الدولية، حيث يُفترض التزام الأطراف المختلفة بموجباتها.
في القانون الجنائي الدولي والوطني، يُعدّ مبدأ الضرورة أحد المفاهيم التي يمكن أن تبرر بعض الأفعال التي تكون في الظروف العادية غير مشروعة. فحين يكون الخطر وشيكًا ولا توجد وسيلة أخرى لرده، قد يسقط الوصف المعتاد عليه للفعل إذا كان الهدف دفع خطر جسيم عن بلد ما.
وفي سياق النزاعات المسلحة أو الاحتلال، يُستخدم هذا المفهوم أحيانًا لتفسير أفعال المقاومة ضمن إطار الدفاع عن الوجود أو حماية المجتمع من عدوان خارجي.
في ضوء ما تقدّم من معطيات دستورية ودولية، يتضح أن مسألة سلاح المقاومة في لبنان لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد قضية داخلية تتعلق بتنظيم السلاح، بل هي مسألة ترتبط مباشرة بواقع الصراع مع الاحتلال واستمرار الاعتداءات والانتهاكات للسيادة اللبنانية، إضافة إلى بقاء أراضٍ لبنانية تحت الاحتلال. وفي مثل هذه الظروف، يصعب من الناحية القانونية القول بوجود مبرر كافٍ لنزع سلاح المقاومة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور