تكشف الساعات الأربع والعشرون الماضية من المواجهة بين المقاومة الإسلامية وجيش الاحتلال الإسرائيلي عن صورة عملياتية معقّدة تتداخل فيها المناورات البرية مع الضربات الصاروخية والعمليات الجوية، ضمن إدارة مركزية دقيقة للمعركة. فعلى الرغم من شدة العدوان الإسرائيلي والغارات التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق مختلفة من العمق اللبناني، أظهرت المقاومة تماسكاً واضحاً في منظومة القيادة والسيطرة، ما انعكس في استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة ومنسّقة.
ويبرز هذا التماسك من خلال تنفيذ أربعٍ وعشرين عملية عسكرية خلال يوم واحد، توزعت بين الاشتباكات المباشرة على الحافة الأمامية للحدود وبين ضربات صاروخية بعيدة المدى وصلت إلى عمق يقارب مئة وستين كيلومتراً داخل الأراضي المحتلة. هذا التدرج في العمليات يؤكد أن غرفة العمليات المركزية تدير المعركة وفق توقيت محسوب وتنسيق عالٍ بين مختلف الصنوف القتالية، من المشاة والمدفعية إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.
في المقابل، حاول جيش الاحتلال فتح عدة محاور برية بهدف تشتيت جهد المقاومة وإحداث خرق ميداني في الخط الدفاعي الأمامي. وتمثلت أبرز هذه المحاور في اتجاه العديسة ورب ثلاثين نحو بلدة الطيبة، ومحور سهل مارون الراس باتجاه حي الخانوق في عيترون، إضافة إلى محور رامية – القوزح – الصالحاني. غير أن تعدد هذه المحاور عكس في الوقت نفسه إرباكاً عملياتياً لدى جيش العدو، الذي اضطر إلى الاعتماد على المروحيات لتوفير غطاء ناري لتقدم قواته المدرعة، في مؤشر على صعوبة تقدم هذه القوات دون إسناد جوي كثيف.
على مستوى القتال البري، اعتمدت المقاومة تكتيكات دفاع نشط قائمة على استدراج القوات المتقدمة إلى مناطق قتل محددة. ففي منطقة خلّة المحافر قرب العديسة، جرى استدراج قوة إسرائيلية متقدمة ثم استهدافها بقذائف المدفعية قبل الانتقال إلى الاشتباك المباشر بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، ما أدى إلى كسر الهجوم وإجبار القوة المهاجمة على التراجع. كما برزت عمليات استهداف المدرعات ضمن ما يمكن وصفه بتكتيك "صيد الدبابات"، حيث جرى ضرب جرافة وآليتين عسكريتين في مرتفع القبع قرب مركبا بواسطة صواريخ موجهة.
ومن أبرز التطورات الميدانية أيضاً إحباط محاولة إنزال جوي إسرائيلية معقدة في منطقة البقاع. فقد رصدت المقاومة تحرك نحو خمس عشرة مروحية عسكرية حاولت التسلل ليلاً عبر الأجواء السورية باتجاه السلسلة الشرقية. إلا أن التنسيق الميداني مكّن وحدات المقاومة من الاشتباك مع القوة المحمولة جواً والقوة التي حاولت الهبوط في سهل سرغايا، ما أدى إلى إفشال العملية بالكامل وتوجيه ضربة لواحد من أكثر أساليب جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتماداً في العمليات الخاصة.
بالتوازي مع المواجهة البرية، شكّلت مناورة النار عاملاً أساسياً في إدارة المعركة. فقد نفذت المقاومة ضربات صاروخية استهدفت مواقع عسكرية حساسة في العمق، بينها محطة اتصالات فضائية في وادي إيلا، وقاعدة الرملة جنوب شرق تل أبيب، وقاعدة زائيف للدفاع الجوي في حيفا، إضافة إلى منشأة صناعية عسكرية قرب صفد. وتشير طبيعة هذه الأهداف إلى تركيز واضح على ضرب البنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة.
كما نفذت المقاومة هجوماً مركباً باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة الانقضاضية استهدفت مقر الفرقة 146 في منطقة جعتون شرق نهاريا، في عملية تعكس قدرة متقدمة على تجاوز منظومات الرصد الجوي والوصول إلى أهداف قيادية حساسة. وإلى جانب ذلك، استمرت الصليات الصاروخية باتجاه مستوطنات ومدن الشمال مثل كريات شمونة ونهاريا، في إطار تثبيت معادلة الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
في المقابل، ركزت الضربات الإسرائيلية على أربعة قطاعات رئيسية: خط المواجهة الحدودي، والعمق العملياتي الساحلي، ومناطق القيادة والسيطرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى العمق الاستراتيجي في البقاع. ويعكس هذا التوزيع محاولة إسرائيلية لتفكيك البنية العملياتية للمقاومة عبر الجمع بين الضغط العسكري المباشر واستهداف البيئة الداعمة.
أما على المستوى النفسي والاستراتيجي، فقد حاول كل طرف ترسيخ روايته الخاصة للحرب. ففي حين ركزت إسرائيل على ضرب المناطق المدنية والبنية التحتية، سعت المقاومة إلى إبراز طابع عملياتها العسكرية الموجهة نحو أهداف عسكرية واستراتيجية، مع الاستمرار في الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وفي المحصلة، تكشف معركة الساعات الأربع والعشرين الماضية عن معادلة ميدانية تتسم بتوازن معقد بين الهجوم والدفاع، حيث تسعى "إسرائيل" إلى تحقيق اختراق بري أو عملياتي، بينما تعمل المقاومة على استنزاف القوات المهاجمة وضرب عمقها العسكري. ومع استمرار هذا النمط من العمليات، تبدو المواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظل معادلة واضحة مفادها أن ضرب العمق سيقابله ضرب عمق مقابل، وأن أي محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة ستواجه برد محسوب ومتدرج.
الكاتب: غرفة التحرير