الأربعاء 11 آذار , 2026 04:21

الحرب في الخطاب الإسرائيلي: قراءة في مؤشرات التضليل والتحيّز المعرفي

الإعلام الإسرائيلي وجنوب لبنان

في سياق التصعيد العسكري المتواصل على الجبهة اللبنانية، تتجاوز المواجهة حدود الميدان العسكري لتشمل ساحة الإدراك والرأي العام، حيث يصبح الخطاب الإعلامي جزءاً من أدوات إدارة الصراع. وفي هذا الإطار، جرى إجراء دراسة تحليلية تشخيصية لثلاثة مقالات رأي وتحليلات منشورة في الصحافة العبرية، إلى جانب تصريح لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وذلك وفق "استمارة كشف التضليل" المستندة إلى الإطار المنهجي الذي وضعه الباحثان مايكل بينيت وإدوارد وولتز.

تنطلق هذه المقاربة من اعتبار التضليل ليس مجرد معلومة خاطئة، بل نمطاً سلوكياً وإدراكياً يمكن رصده عبر مجموعة من المؤشرات التشخيصية التي تظهر في بنية الخطاب، وطريقة بناء السردية، وآليات توجيه الانتباه لدى المتلقي. وبناءً على ذلك، لا تهدف القراءة إلى تقييم صحة التحليلات الواردة في تلك المقالات، بل إلى تفكيك طريقة صياغتها، والكشف عن البنية المعرفية والإعلامية التي تحكمها، ومدى احتمال توظيفها في إطار الحرب النفسية أو الخداع الاستراتيجي.

أظهرت القراءة التحليلية أن بعض المقالات المنشورة في الصحافة الإسرائيلية، ولا سيما تلك الصادرة عن باحثين مرتبطين بمؤسسات أمنية أو مراكز دراسات استراتيجية، تعتمد نمطاً سردياً متماسكاً يقدّم الصراع بوصفه قصة واضحة المعالم، تقوم على ثنائية "الأبطال والأشرار". ففي هذا الإطار تُصوَّر "إسرائيل" والولايات المتحدة بوصفهما قوى الاستقرار والنظام، في مقابل تصوير إيران وحزب الله كمصدر للفوضى والتهديد. هذا النوع من "الكمال السردي" يشكل أحد المؤشرات المعروفة في تحليل التضليل، إذ يخلق حبكة منطقية جذابة للقارئ لكنها تبسّط الواقع الميداني المعقد وتختزل تعددية العوامل المؤثرة في مسار الحرب.

كما تكشف بعض المقالات عن ميل واضح إلى تجاهل السلبيات أو التقليل من التكلفة المتوقعة للحرب، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن "حرية عمل كاملة" للجيش الإسرائيلي أو عن "فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط"، يغيب النقاش حول الخسائر المحتملة أو تعقيدات المواجهة طويلة الأمد. هذا النوع من الخطاب "النظيف" معلوماتياً، الذي يركّز على المكاسب ويتجاهل المخاطر، يعدّ مؤشراً كلاسيكياً في تحليل الخطاب التعبوي.

ومن المؤشرات اللافتة أيضاً ظهور مستويات مرتفعة من اليقين في بيئة عملياتية تتسم عادة بالغموض وعدم اليقين. فالجزم بأن حزب الله فقد نسبة كبيرة من قدراته العسكرية، أو التأكيد على إمكانية فرض ترتيبات سياسية وأمنية واسعة في لبنان، يعكس درجة من الثقة المفرطة التي قد تكون جزءاً من عملية تشكيل الإدراك العام أكثر من كونها تقديراً استخباراتياً حذراً.

إلى جانب ذلك، يتكرر في هذه المقالات استخدام ما يُعرف بإطار "الثنائية الصفرية"، حيث يجري تقديم الصراع على أنه خيار بين مسارين متناقضين لا ثالث لهما: إما السلام الإقليمي والانخراط في ترتيبات سياسية جديدة، أو استمرار الفوضى والحروب. مثل هذا التأطير يقضي على المساحات الرمادية أو الخيارات الوسطية، ويساهم في توجيه الرأي العام نحو قبول السياسات التصعيدية بوصفها الخيار الوحيد الممكن.

غير أن المشهد الإعلامي الإسرائيلي لا يبدو أحادياً بالكامل. فبعض التحليلات، خصوصاً تلك الصادرة عن كتّاب ذوي خبرة طويلة في متابعة الحركات المسلحة، تميل إلى كسر هذه السردية المتفائلة. في هذه المقاربات يظهر اعتراف أوضح بتعقيدات الحرب واحتمالات تحولها إلى حرب استنزاف طويلة، مع التشكيك في إمكانية تحقيق "نصر كامل" أو انهيار سريع للخصم. هذا النوع من التحليل يمكن اعتباره شكلاً من "التحليل المضاد للخداع"، إذ يسعى إلى تبريد التوقعات المبالغ بها داخل المجتمع الإسرائيلي.

وتشير الدراسات أيضاً إلى حضور واضح لعدد من التحيزات المعرفية في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي خلال هذه المرحلة. من أبرز هذه التحيزات: تحيز الثقة المفرطة، الذي يظهر في المبالغة بتقدير القدرات الذاتية؛ وتحيز التأكيد، الذي يدفع إلى إبراز المعلومات الداعمة للسردية الحربية وتجاهل المعطيات المناقضة؛ إضافة إلى المغالطة السردية التي تعيد صياغة الصراع ضمن إطار أخلاقي مبسط يميز بين "الاستقرار" و"الفوضى".

كما يبرز ما يعرف بتحيز التفاؤل، حيث يجري تضخيم العوائد السياسية للحرب عبر ربطها بمشاريع إقليمية كبرى أو بفرص سلام تاريخية، إلى جانب "المعضلة الزائفة" التي تختزل الواقع في خيارين متعارضين، و"تحيز التوافر" الذي يعتمد على أحداث حديثة أو بارزة في الذاكرة لتفسير المستقبل.

في المحصلة، تكشف هذه القراءة عن وجود اتجاهين رئيسيين داخل الإعلام الإسرائيلي: الأول تعبوي داعم للحرب، يسعى إلى بناء سردية انتصار محتمل وتبرير التصعيد العسكري؛ والثاني أكثر حذراً وواقعية، يحذر من الإفراط في التفاؤل ومن الوقوع في فخ الوعود السياسية حول "النصر المطلق". وبين هذين الاتجاهين يتشكل الخطاب الإعلامي الذي يسهم بدوره في إدارة المعركة الإدراكية الموازية للحرب الدائرة على الأرض، حيث لا تقل السيطرة على السردية أهمية عن السيطرة على الميدان.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور