الأربعاء 11 آذار , 2026 04:44

حزب الله في التقدير العبري: من خصم مُستنزَف إلى تهديد استراتيجي متجدد

صواريخ حزب الله والداخل الإسرائيلي

تكشف التصريحات والتحليلات العبرية الصادرة خلال الأيام الأخيرة عن تحوّل واضح في نظرة المؤسسة السياسية والأمنية والإعلامية في الكيان إلى موقع حزب الله ودوره في الحرب الجارية. فبعد نحو أسبوع على اندلاع المواجهة، لم يعد النقاش الإسرائيلي يدور فقط حول كيفية احتواء تدخل الحزب أو الحد من تأثيره، بل بات يتركز بصورة متزايدة على الإقرار بأن الجبهة الشمالية استعادت مكانتها كساحة مركزية لا تقل خطورة عن الجبهة الإيرانية، وأن حزب الله نجح، إلى حد بعيد، في استعادة المبادرة الميدانية وفرض معادلات جديدة على مسار الحرب.

في الأيام الأولى، روّجت أوساط إسرائيلية لفكرة أن دخول حزب الله إلى المعركة يشكل "خطأ استراتيجياً" من جانبه، وأنه أوقع نفسه في "مصيدة" تتيح لإسرائيل فرصة التخلص منه نهائياً. إلا أن هذا الخطاب بدأ يتراجع تدريجياً أمام المعطيات الميدانية. فالتقارير العبرية نفسها عادت لتقر بأن الحزب ليس ذلك التنظيم المفكك أو العاجز كما رُوّج سابقاً، بل ما زال يحتفظ بقدرات عسكرية فعالة ومتنوعة، قادرة على تعطيل الجبهة الداخلية، وإرباك الجيش، واستنزاف موارده، وفرض إيقاع قتالي طويل الأمد.

أولى نقاط القلق الإسرائيلي تتمثل في القدرات الصاروخية للحزب. فوفق التقديرات العبرية، لا يزال حزب الله قادراً على إطلاق صواريخ بعيدة المدى نحو الوسط الفلسطيني المحتل، بما في ذلك استخدام صواريخ دقيقة نسبياً تستهدف منشآت حساسة وبنى تحتية حيوية. وهذا التطور لا يحمل فقط بعداً نارياً، بل يترك أثراً نفسياً واستراتيجياً، لأنه يوسع دائرة التهديد ويضع شريحة واسعة من المستوطنين تحت ضغط الملاجئ وحالة اللايقين.

أما التهديد الثاني، فهو الطائرات المسيّرة، التي تظهر في الخطاب العبري كأحد أكثر عناصر القلق تصاعداً. فالحديث المتكرر عن تعافي الوحدة 127 وانتشارها في الجنوب والبقاع يعكس خشية إسرائيلية من عودة هذا السلاح إلى الفعالية العملياتية. وتكمن خطورة هذا التهديد، بحسب التحليلات العبرية، في بساطة تشغيله ومرونته الميدانية؛ إذ يمكن تجميع المسيّرات وإطلاقها من بيئات مدنية أو زراعية خلال وقت قصير، بما يصعّب اكتشافها واستهدافها مسبقاً، ويخفض فعالية وسائل الاعتراض الإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، يبرز القلق من الأسلحة المضادة للدروع، ولا سيما الصواريخ المتطورة التي تتيح استهداف القوات والآليات من مسافات بعيدة، حتى من دون رؤية مباشرة للهدف. وتؤكد التقارير العبرية أن هذا النمط من التسلح يعزز قدرة حزب الله على جعل أي تقدم بري إسرائيلي مكلفاً ومعقداً، ويمنحه قدرة على ضرب القوات المنتشرة في المواقع الأمامية، وكذلك تهديد المستوطنات المحاذية للحدود.

الأهم من القدرات نفسها هو النمط القتالي الذي باتت إسرائيل ترصده بوضوح. فعدد من التحليلات يشير إلى أن حزب الله عاد إلى أسلوب حرب العصابات الكلاسيكي: هجمات مركزة وسريعة، وحدات صغيرة، استخدام مكثف للتضاريس، ثم انسحاب واختفاء. وهذا يعني، في الحسابات الإسرائيلية، أن الحرب لن تكون قابلة للحسم السريع، وأن أي محاولة لإنهائها عسكرياً ستواجه نمطاً مرناً من القتال الاستنزافي يصعب إخضاعه بالضربات الجوية وحدها.

كما تكشف التقديرات العبرية عن فهم متزايد لأهداف الحزب في هذه المرحلة. فهو، من وجهة نظرهم، لا يكتفي بإيلام الجبهة الداخلية، بل يسعى أيضاً إلى جرّ الجيش الإسرائيلي إلى قتال بري داخل الأراضي اللبنانية حيث يمتلك أفضلية جغرافية وتكتيكية. وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى سلوكه العسكري على أنه محاولة لمنع تفكيكه داخلياً أو فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة عليه داخل لبنان.

لهذا، تتقاطع غالبية القراءات العبرية عند خلاصة أساسية: الحرب مع حزب الله مرشحة لأن تكون طويلة ومكلفة، وقد تمتد أشهراً وربما أكثر، من دون ضمانة حقيقية لتحقيق "نصر حاسم". بل إن بعض الأصوات الإسرائيلية باتت تحذر من أن الجبهة الشمالية قد تتحول إلى ساحة الاستنزاف الأشد خطراً، وأن الانشغال بإيران لا يلغي حقيقة أن حزب الله فرض نفسه مجدداً كتهديد استراتيجي مباشر. وعليه، فإن الخطاب العبري الراهن لا يعكس فقط قلقاً من قدرات الحزب، بل اعترافاً متزايداً بأنه استطاع، خلال وقت قصير، استعادة زمام المبادرة وفرض معركة مفتوحة على إيقاعه وشروطه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور