لم تكن عملية "العصف المأكول" التي أعلنها حزب الله مجرّد ردّ صاروخي على الغارات "الإسرائيلية" التي استهدفت الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، بل جاءت كحدث عسكري وسياسي أعاد خلط الكثير من التقديرات التي سادت منذ بداية المواجهة. فالرشقة الأولى التي تجاوزت مئة صاروخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة لم تكن فقط الأكبر منذ اندلاع الحرب الأخيرة، بل حملت في طياتها رسالة واضحة مفادها أن السردية "الإسرائيلية" التي تحدّثت طويلاً عن تدمير قدرات الحزب لم تصمد أمام اختبار الميدان.
اختبار الميدان… حين تكذب الوقائع الرواية
منذ بداية التصعيد، سعت المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" إلى ترسيخ انطباع مفاده أن الضربات الجوية المكثفة والاغتيالات التي طالت قيادات بارزة في حزب الله قد أضعفت بنيته العسكرية إلى حدّ كبير. غير أن الوقائع الميدانية التي ظهرت خلال الأيام الماضية كشفت صورة مختلفة تماماً.
فقد أظهر إطلاق هذا العدد الكبير من الصواريخ في موجة واحدة أن منظومة القيادة والسيطرة لدى الحزب لا تزال تعمل بفعالية، وأن البنية اللوجستية التي تدير العمليات الصاروخية لم تتعرض للشلل الذي تحدثت عنه الرواية الإسرائيلية.
ولا تقتصر الدلالة على عدد الصواريخ فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الأهداف التي شملتها الضربات، إذ طالت قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية مثل قاعدة حيفا البحرية ومقر قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال، إضافة إلى منشآت صناعية عسكرية في محيط المدينة. في هذا الإطار، لم تقتصر الضربات الصاروخية على مواقع الجبهة الشمالية، بل امتدت لتطال قواعد عسكرية حساسة في العمق "الإسرائيلي". فقد استهدفت المقاومة قاعدة بيت ليد، وهي قاعدة عسكرية تضم معسكرات تدريب رئيسية لكل من لواء الناحل ولواء المظليين، بصلية من الصواريخ النوعية. كما طالت الضربات قاعدة غليلوت التي تضم مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات عن الحدود اللبنانية الفلسطينية وتقع في ضواحي مدينة تل أبيب.
ويكشف استهداف هذه القواعد عن دلالة عسكرية واضحة، مفادها أن بنك أهداف المقاومة لم يعد محصوراً في مواقع الحدود أو المستوطنات الشمالية، بل بات يشمل منشآت عسكرية واستخبارية مركزية في عمق الكيان. كما يشير ذلك إلى امتلاك القدرة الصاروخية على الوصول إلى مسافات بعيدة نسبياً، وهو ما يعكس انتقال المعركة تدريجياً من نطاق الضغط التكتيكي على الجبهة الشمالية إلى معادلة تهديد العمق الاستراتيجي.
من الردّ التكتيكي إلى الرسالة الاستراتيجية
في السياق العسكري الأوسع، لا يمكن فصل عملية "العصف المأكول" عن سياق المعركة الدائرة على الجبهة اللبنانية منذ أسابيع. فالمواجهة لم تعد مجرد تبادل محدود للنيران على الحدود، بل تحولت تدريجياً إلى معركة استنزاف متعددة المستويات تجمع بين الاشتباكات البرية المحدودة والضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة.
وتكشف العمليات الأخيرة أن حزب الله يتبع مقاربة قتالية مرنة تقوم على مزيج من الأدوات العسكرية. فإلى جانب الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، يعتمد الحزب بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة الانقضاضية، إضافة إلى استخدام الصواريخ المضادة للدروع في استهداف الآليات العسكرية "الإسرائيلية" المتقدمة على الحدود. هذه المنظومة القتالية المتعددة الأبعاد تهدف أساساً إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي "الإسرائيلية" واستنزافها عبر إغراقها بعدد كبير من الأهداف في وقت واحد.
مفاجأة العمليات… ثغرات الاستخبارات
واحدة من أبرز الدلالات التي أظهرتها الرشقة الصاروخية الكبيرة تتمثل في الثغرات التي كشفتها في المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية. فإطلاق أكثر من مئة صاروخ دفعة واحدة يعني أن منصات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها لم تكن مكشوفة بالكامل أمام أجهزة الرصد والاستطلاع الإسرائيلية التي تراقب المجالين الجوي والبري في لبنان بشكل دائم.
وهذا المعطى يطرح تساؤلات جدية داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية "حول مدى دقة التقديرات التي بنيت عليها العمليات الجوية خلال الأسابيع الماضية. فالاستخبارات التي يفترض أنها نجحت في تحديد معظم مواقع الحزب، تبدو عاجزة عن منع إطلاق رشقات صاروخية واسعة النطاق، الأمر الذي يعزز المخاوف من قدرة الحزب على تكرار هذه العمليات في أي لحظة.
وفي السياق نفسه، كشفت التطورات الميدانية التي رافقت الهجمات الصاروخية عن مستوى ملحوظ من الإرباك داخل الجبهة الداخلية للاحتلال. فقد أفادت وسائل إعلام "إسرائيلية" أن الهجوم اتسم بتنسيق ميداني متزامن، حيث انطلقت رشقات صاروخية من لبنان نحو مناطق الشمال بالتوازي مع صواريخ باليستية إيرانية استهدفت مناطق الوسط والجنوب. وأقرت التقارير بسقوط صواريخ بشكل مباشر في حيفا ومنطقة زخرون يعقوب، إضافة إلى إصابة في هرتسيليا واندلاع حرائق في تل أبيب.
كما تحدث الإعلام العبري عن خلل تقني في منظومة الإنذار أدى إلى تفعيلها في مناطق بعيدة عن الاستهداف، ما تسبب بحالة من الفوضى والهلع بين المستوطنين. وسجلت طواقم الإسعاف إصابات عدة نتيجة التدافع أثناء التوجه إلى الملاجئ، في مشهد يعكس حجم الإرباك الذي أصاب منظومة الدفاع المدني، ويعزز التساؤلات داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" حول قدرة منظوماتها الدفاعية والاستخبارية على التعامل مع هجمات مركبة ومتزامنة.
معركة استنزاف تتشكل
تتجه المواجهة في ضوء هذه التطورات نحو نمط من حرب الاستنزاف الطويلة. فـ"إسرائيل"، رغم تفوقها الجوي والتكنولوجي، لم تنجح حتى الآن في تحقيق اختراق حاسم في بنية الدفاعات التي أقامها الحزب على طول الجبهة الجنوبية. وفي المقابل، يواصل حزب الله توسيع دائرة الضغط عبر استهداف القواعد العسكرية ومراكز الدعم اللوجستي في شمال فلسطين المحتلة.
ويبدو أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه "إسرائيل" لا يكمن في الضربة الصاروخية بحد ذاتها، بل في إمكانية تكرارها بوتيرة متصاعدة. فالمعادلة التي يسعى الحزب إلى تثبيتها تقوم على تحويل الجبهة الشمالية إلى منطقة ضغط دائم على الجيش" الإسرائيلي" والمستوطنات القريبة من الحدود، وهو ما قد يفرض على تل أبيب إعادة توزيع جزء كبير من قدراتها الدفاعية والعسكرية على هذه الجبهة.
دلالات الاسم… استعادة الذاكرة
يحمل اسم العملية "العصف المأكول" أكثر من دلالة، تبدأ أولاً من مرجعيته القرآنية المباشرة. فالعبارة مأخوذة من قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ • تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ • فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) صدق الله العلي العظيم
وفي هذا السياق، أعلنت المقاومة الإسلامية إطلاق عمليات "العصف المأكول"، في إشارة رمزية تستحضر قصة هلاك جيش أبرهة في القرآن الكريم، حين تحولت قوته العسكرية إلى "عصف مأكول"، أي بقايا هشة كأوراق الزرع بعد أن تأكلها الدواب. ومن هنا تأتي الدلالة الأولى للاسم، إذ يعكس محاولة إسقاط هذه الصورة الرمزية على الصراع الراهن: قوة عسكرية تبدو متفوقة، لكنها قد تتحول إلى قوة منهكة ومستهلكة تحت ضربات متتالية.
أما الدلالة الثانية، فهي سياسية–تاريخية، وترتبط باستخدام الاسم نفسه في حرب غزة عام 2014. ففي تلك الحرب أطلقت كتائب القسام اسم "العصف المأكول" على المواجهة مع "إسرائيل"، في وقت كان الهدف المعلن للعملية العسكرية "الإسرائيلية" هو تدمير بنية المقاومة الصاروخية وإنهاء تهديد الأنفاق. غير أن نتائج الحرب لم تحقق تلك الأهداف بالكامل، إذ استمرت قدرات المقاومة العسكرية بعد انتهاء القتال.
استعادة الاسم اليوم في السياق اللبناني تحمل رسالة رمزية إضافية: أن الحروب التي تُبنى على فرضية تدمير قدرات قوى المقاومة بشكل كامل قد تصطدم مرة أخرى بواقع مختلف على الأرض، حيث يعاد إنتاج القوة العسكرية أو إعادة تنظيمها رغم شدة الضربات. وبالتالي فإن الاسم لا يُستخدم فقط كشعار عسكري، بل كإطار رمزي وسياسي يربط بين تجارب سابقة في الصراع الدائر في المنطقة.
ما بعد "العصف المأكول"
في المحصلة، كشفت عملية "العصف المأكول" أن الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم، وأن ميزان المواجهة ما زال مفتوحاً على احتمالات متعددة. فـ"إسرائيل" التي راهنت على إضعاف حزب الله عبر الضربات الجوية والاغتيالات تجد نفسها اليوم أمام خصم لا يزال يمتلك القدرة على المبادرة وإطلاق عمليات واسعة النطاق.
وبينما تحاول تل أبيب تكثيف الضغط العسكري على لبنان عبر الغارات الواسعة، يبدو أن الحزب يسعى في المقابل إلى تثبيت معادلة مختلفة قوامها الاستنزاف الطويل وتوسيع نطاق الرد. وفي ظل هذا المشهد المعقد، قد تتحول الجبهة اللبنانية إلى أحد أكثر ميادين الصراع حساسية في المنطقة، حيث لا تكفي التفوقات العسكرية وحدها لحسم معركة تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع التوازنات الإقليمية الأوسع.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]