يشهد مسار المواجهة العسكرية على الجبهة اللبنانية تصعيداً نوعياً يشي بتحول في طبيعة إدارة المعركة، حيث يظهر بوضوح انتقال المقاومة الإسلامية إلى مرحلة أكثر تقدماً في فرض معادلات الردع الميداني والناري. فالمشهد العام خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية يعكس ثباتاً واضحاً في خطوط الدفاع الأمامية مقابل تصعيد متدرج في استهداف العمق الإسرائيلي، في إطار استراتيجية تقوم على الجمع بين الدفاع المرن والضربات الاستراتيجية الدقيقة. هذا التطور يؤكد أن المعركة لم تعد محصورة في نطاق الحدود، بل أصبحت معركة إدارة توازنات نار تمتد من الحافة الأمامية جنوب لبنان إلى عمق الكيان الإسرائيلي.
في هذا السياق، سجلت المقاومة الإسلامية وتيرة عملياتية متصاعدة من خلال تنفيذ سبعة وعشرين عملية عسكرية متنوعة، شملت استخدام الصواريخ النوعية والطائرات المسيّرة الانقضاضية والمدفعية، في عمليات متزامنة امتدت من خطوط الاشتباك المباشر إلى عمق يتجاوز المئة كيلومتر داخل الأراضي المحتلة. وقد تُوِّج هذا التصعيد ضمن سلسلة عمليات "العصف المأكول"، التي استهدفت مواقع استراتيجية حساسة في البنية العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، أبرزها قاعدة غليلوت التي تضم مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200 في ضواحي تل أبيب، إضافة إلى قاعدة عتليت التي تُعد مركزاً لوحدة الكوماندوس البحري "الشييطت 13"، وكذلك قاعدة بيت ليد التدريبية وقاعدة ميرون التي تضم منظومات قيادة العمليات الجوية. وتشير هذه الضربات إلى قدرة المقاومة على تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية والوصول إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية.
في المقابل، يظهر أن جيش الاحتلال يعيش حالة من التخبط العملياتي نتيجة تباطؤ مناورة التقدم البري وفشل محاولات الاستطلاع بالقوة على طول الجبهة الحدودية. وقد انعكس هذا الارتباك في اعتماد العدو تكتيك "الاستطلاع بالنار المتعدد المحاور"، حيث حاول الضغط على عدة نقاط حدودية في آن واحد، من الخيام والعديسة شرقاً وصولاً إلى مارون الراس وعلما الشعب غرباً، مستفيداً من تغطية نارية كثيفة تشمل الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بدفاع نشط للمقاومة يقوم على رصد تحركات القوات المعادية واستهداف تجمعاتها قبل تثبيت مواقعها، ما حوّل العديد من نقاط التقدم المحتملة إلى مناطق اشتباك مفتوحة.
ويبرز المحور الشرقي في منطقة الخيام باعتباره أحد أهم محاور الثقل في المناورة الإسرائيلية، حيث يحاول العدو التقدم من مستوطنات المطلة وكفاريوفال نحو تلة الحمامص بهدف تطويق المدينة وفرض سيطرة نارية عليها. أما في القطاع الأوسط الشرقي، فتتركز محاولات التوغل حول العديسة ومركبا، سعياً للسيطرة على التلال المشرفة على مستوطنات كريات شمونة والمنارة ومسكاف عام. وفي المحور الأوسط، تمثل مرتفعات مارون الراس هدفاً رئيسياً للمناورة الإسرائيلية بسبب إشرافها على مدينة بنت جبيل والقرى المحيطة بها. في حين يسعى العدو في المحور الغربي، الممتد من مقابل مستوطنة حانيتا نحو علما الشعب وجبل بلاط، إلى إبعاد المقاومة عن الجدار الحدودي وتأمين المستوطنات الساحلية مثل نهاريا وشلومي.
لكن في مواجهة هذه المحاور المتعددة، تعتمد المقاومة نمط قتال يقوم على مزيج من الدفاع النشط والعمليات التعرضية، حيث يتم استهداف تجمعات الجنود ونقاط الاستحداث الإسرائيلية بالصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع ضرب خطوط الإمداد الخلفية داخل الأراضي المحتلة. وقد تجلى ذلك في قصف تجمعات الجنود في مارون الراس وفي محيط الخيام والعديسة، إضافة إلى استهداف قواعد وثكنات عسكرية مثل يعرا والمالكية.
وفي موازاة المعركة البرية، تدير المقاومة ما يمكن وصفه بـ"مناورة النار المضادة"، التي تعتمد على ضرب العمق العسكري والاستخباراتي للعدو بهدف تعطيل قدرته على إدارة العمليات. كما اتبعت المقاومة تكتيكاً هجومياً في مجال الدفاع الجوي من خلال استهداف منظومات الدفاع الإسرائيلية في قيسارية ومعالوت ترشيحا، الأمر الذي ساهم في فتح ثغرات في شبكة الدفاع الجوي وتسهيل وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أهدافها.
في المقابل، لجأ العدو إلى تصعيد القصف الجوي على المناطق المدنية في بيروت والضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، في محاولة لرفع كلفة الحرب على البيئة الحاضنة للمقاومة. وقد شملت هذه الغارات أحياء سكنية في العاصمة مثل الباشورة وزقاق البلاط والرملة البيضاء، إضافة إلى عشرات القرى الجنوبية، ما يعكس محاولة إسرائيلية للضغط النفسي والسياسي بعد تعثرها في تحقيق إنجاز ميداني واضح.
تكشف هذه المعطيات أن طبيعة الصراع الجاري باتت تدور بين عقيدتين عسكريتين متباينتين: الأولى تعتمد على القوة النارية الشاملة والتدمير الواسع للبنى التحتية والمدن، والثانية تقوم على الاستنزاف الدقيق والمتدرج عبر استهداف المراكز العسكرية الحساسة والتجمعات القتالية. وفي ظل هذا التوازن الجديد للنار، يبدو أن المقاومة نجحت في تثبيت معادلة ردع جديدة تجعل العمق الإسرائيلي جزءاً دائماً من ميدان المعركة، ما يشير إلى مرحلة أكثر تعقيداً في مسار المواجهة الإقليمية.
الكاتب: غرفة التحرير