لم يعد من الممكن قراءة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران باعتباره مواجهة عسكرية محدودة النتائج حتى بعد انتهائه. فالتطورات التي تتزايد بشكل سريع، وتحديداً إغلاق مضيق هرمز، دفعت الصراع مباشرة إلى قلب الاقتصاد الإقليمي والدولي. اذ تكشف التحولات التي ظهرت في أسواق الطاقة، وفي تدفقات التجارة النفطية، أن ما يجري يتجاوز حسابات القوة العسكرية ليصل إلى مستوى إعادة ترتيب المجال الاقتصادي الذي يعمل داخله النظام العالمي للطاقة.
الشرق الأوسط يحتل موقعاً استثنائياً في هذا النظام فالإقليم يجمع بين عناصر حيوية يقوم عليها الاقتصاد العالمي من احتياطيات الطاقة الكبرى، الممرات البحرية الاستراتيجية، شبكات النقل البحري، والمراكز المالية التي تدير جزءاً مهماً من حركة رأس المال العالمي. منذ منتصف القرن العشرين أصبح الخليج تحديداً أحد أعمدة سوق النفط الدولية، ومعه تحولت ممراته البحرية إلى شرايين حيوية لتدفق الطاقة نحو آسيا وأوروبا.
هذا الموقع جعل المنطقة جزءاً دائماً من توازنات الاقتصاد السياسي العالمي. فالسيطرة على طرق الملاحة وممرات الطاقة هي مسألة ترتبط باستقرار السوق العالمية نفسها. لذلك ارتبط تاريخ المنطقة خلال العقود الماضية بسلسلة من الصراعات التي أعادت تنظيم المجال الاقتصادي والسياسي الذي تعمل فيه هذه الموارد.
في هذا السياق تظهر إيران كحالة مختلفة داخل النظام الإقليمي فمنذ الثورة عام 1979 اختارت مساراً سياسياً واقتصادياً لا ينسجم بالكامل مع البنية الاقتصادية التي تشكلت حول اقتصاد الطاقة في الخليج. الاقتصاد الإيراني يجمع بين عناصر عدة كسوق تقليدي، مؤسسات شبه حكومية ترتبط بالبنية السياسية والعسكرية، ودولة مركزية تدير الاقتصاد تحت ضغط العقوبات والصراعات الإقليمية. هذا النموذج حافظ على درجة من الاستقلال عن المنظومة النيوليبرالية التي توسعت في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي.
إلى جانب ذلك، بنت طهران شبكة نفوذ إقليمية في عدد من دول المشرق، الأمر الذي جعلها لاعباً أساسياً في توازنات المنطقة الأمنية. الضغوط العسكرية والاقتصادية التي واجهتها خلال العقود الماضية لم تؤد إلى تفكيك هذه الشبكات إنما دفعتها إلى التوسع والتكيّف. النتيجة كانت ظهور معادلة إقليمية معقدة يصعب فيها فصل الصراع العسكري عن البنية السياسية والاقتصادية التي تحكم المنطقة.
العدوان الأخير أعاد وضع هذه المعادلة في اختبار جديد. اذ أن الرد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز نقل المواجهة من المجال العسكري إلى قلب سوق الطاقة العالمية. حيث يشكل المضيق أحد أهم الممرات النفطية في العالم، إذ تمر عبره يومياً تدفقات ضخمة من النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات شركات تتبع الشحن إلى أن ما يقارب 1.2 مليار دولار من هذه المنتجات يعبر المضيق يومياً.
توقف الملاحة في هذا الممر انعكس مباشرة على الدول المصدرة في الخليج. وتخلص تقديرات شركة وود ماكنزي بأن منتجي النفط في المنطقة خسروا نحو 15.1 مليار دولار من عائدات الطاقة منذ بداية الحرب نتيجة توقف السفن وتأجيل الشحنات. كما جرى تأجيل مبيعات وإيرادات ضريبية تقدر بنحو 13.3 مليار دولار من النفط خلال هذه الفترة.
السعودية كانت الأكثر تضرراً بحكم حجم صادراتها النفطية واعتمادها الكبير على المسار البحري عبر هرمز. التقديرات تشير إلى خسارة تقارب 4.5 مليارات دولار منذ بداية الأزمة. هذه الأرقام تعكس حجم الارتباط بين اقتصاديات الخليج وبين هذا الممر البحري، إذ إن البنية التحتية للتصدير بُنيت أساساً على تدفق مستقر عبره.
في المقابل ظهرت نتائج مختلفة في مناطق أخرى من سوق الطاقة. فالاضطراب الذي أصاب الإمدادات الخليجية دفع بعض المستوردين الآسيويين إلى البحث عن بدائل سريعة. واتجهت الهند والصين مثلاً إلى زيادة مشترياتهما من الخام الروسي، وهو تحول منح موسكو فرصة اقتصادية مهمة في لحظة تشهد فيها الأسواق توتراً كبيراً.
ارتفاع أسعار النفط ساهم في تعزيز هذا المسار حيث تشير التقديرات إلى أن روسيا قد تحقق دخلاً إضافياً يصل إلى نحو 4.9 مليارات دولار بحلول نهاية آذار، بمعدل يقارب 150 مليون دولار يومياً. يرتبط جزء من هذا العائد أيضاً بتخفيف بعض القيود الأميركية على شراء النفط الروسي المنقول عبر الناقلات في البحر، وهو إجراء يعكس محاولة احتواء النقص في المعروض العالمي.
تكشف هذه التطورات أن الحرب أصبحت جزءاً من إعادة توزيع الأرباح والخسائر داخل سوق الطاقة العالمية. وفي الوقت الذي تواجه فيه الدول الخليجية خسائر مباشرة نتيجة تعطّل الصادرات، تستفيد روسيا من ارتفاع الأسعار ومن إعادة توجيه الطلب الآسيوي نحو نفطها.
من ناحية أخرى، يظهر أيضاً بعد آخر مرتبط بإعادة تنظيم الإقليم. خلال السنوات الأخيرة طُرح تصور سياسي واقتصادي لما سمي "الشرق الأوسط الجديد"، وهو مشروع يقوم على دمج المنطقة في شبكة اقتصادية وأمنية تقودها الولايات المتحدة وتتموضع فيها إسرائيل كمركز تكنولوجي ولوجستي. هذا التصور اعتمد في بدايته على أدوات اقتصادية مثل مشاريع الربط التجاري والطاقة ومسارات التطبيع.
لكن أحداث السابع من أكتوبر أعادت إدخال العامل السياسي بقوة إلى المعادلة. القضية الفلسطينية عادت إلى قلب تعريف الإقليم، ومعها تحولت عملية إعادة تنظيم المنطقة من مسار اقتصادي تدريجي إلى مسار أكثر ارتباطاً بالصراعات العسكرية. في هذا السياق أصبحت إيران محوراً رئيسياً في أي تصور لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
الواقع أن الحرب الحالية باتت تتعلق بمستقبل المجال الاقتصادي الذي يربط الخليج بالأسواق العالمية. حيث كشف إغلاق مضيق هرمز حجم الاعتماد العالمي على هذا المسار، كما كشف قدرة الصراع الإقليمي على إعادة تشكيل حركة التجارة والطاقة في وقت قصير.
يظهر الشرق الأوسط مرة أخرى كساحة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي. الحرب على إيران أعادت فتح سؤال قديم حول كيفية تنظيم هذا الإقليم الذي يشكل أحد أعمدة النظام الطاقوي العالمي. وبين خسائر الخليج ومكاسب روسيا وتحولات التجارة الدولية، يتضح أن ما يجري يصل إلى مستوى إعادة رسم التوازنات الاقتصادية التي تحكم المنطقة.